فلسفة الصوم
كتبه: الشيخ حسين المصطفى
حرر في: 2010/08/19
التعليقات: 0
القراءات: 3479

إنّ الإنسان كلما استغرق في ذكر الآخرة أكثر كلما انضبط في ما يقبل عليه من النتائج في أعماله بين يدي الله تعالى أكثر، لأنّ الغالب منا أننا نغفل عن ذكر الآخرة، ولذلك فإننا نستعجل أرباح الدنيا ونتفادى خسائرها ونعطيها كل اهتماماتنا العقلية والشعورية والعملية .

فلسفة الصوم

الصوم مسلّم به عند أهل الأديان، بل هو مشروع في جميع الملل، حتى عند الوثنيين، فهو معروف عند قدماء المصريين واليونان والرومان والهنود .
ومن المعروف أنّ العديد من الملل والنحل كالمجوس وبراهمة الهند والبوذية وغيرها من عبدة النبات والحيوان لها صيامها. وكان للعرب قبل الإسلام أوقات يصومون فيها ويقدمون خلالها النذور والذبائح إلى آلهتهم... فالصوم - وبشكل عام وفي جميع الأوقات - كان متداولاً في أوقات الأحزان والنوائب.
يقول الدكتور أحمد زكي بدوي: "الصيام من أهم مظاهر الشعائر المتصلة بالسر المقدس والتضحية والتكريس، فهو يعتبر باستمرار المقدمة لمثل هذه الشعائر".

الصوم عند اليهود:

تعد فريضة الصوم من أقدم التشريعات اليهودية بعد شعيرة تقديم القرابين في الهيكل التي انتهى دورها بخراب الهيكل على يد نبوخذ نصر عام (587 ق.م).
ويتسع مفهوم الصوم كثيراً لدى اليهود، وسبب ذلك راجع إلى اجتهاداتهم في إيجاد أنواع منه جلها مرتبط بالحدث التاريخي، وما أفرزته طبيعتهم العدائية للأمم التي عايشوها، أو عاصروها، والتي غلب عليها طابع الحزن، نتيجة لتعرضهم لشتى أنواع المحن.
ولم يعرف الصوم كتشريع وفريضة ملزمة، مستقلاً عن باقي الشعائر، بل يذكر لفظ "الصوم" أو ما يدل عليه مع سياق طقوس شكلية معقدة.
و"يذكر الصوم تذليلاً للنفس، وترويضها أمام مغريات الجسد". وأسبغ شراح الكتاب المقدس بشقيه القديم والحديث على الصوم معان عدة يراد بها جميعاً قصد التقرب إلى الله تعالى. وهو يعني "مراقبة اليوم للحصول على الغفران الإلهي معتمداً على إخلاص توبة المرء وإرشاده لأخيه الإنسان إلى الطريق الصحيح".
وعرف الصيام بأنّه "الإمساك عن الأكل والشرب من الصباح إلى المساء، إلا أنّ المفروض بشريعة موسى من غروب الشمس إلى مساء اليوم التالي". وفي فترة ما قبل السبي البابلي أخذ الصوم معنى الانقطاع عن الأكل عموماً، أما في كتب الأنبياء فقد جاء بمعنى "عدم أكل الخبز حصراً".
وفي مدة الأسر أخذ الصوم طابع الحداد والحزن، وكان يلجأ إليه عند الخطر، ويؤديه الكاهن استعداداً للإلهام أو إذا اعتقد أنّ الله ساخط عليه.
كما عرف الصوم بأنّه "الالتجاء إلى الرب لطلب الصفح عن الخطأ، أو التماس الشفاء، أو بعد ترمل، أو بعد نكبة وطنية، أو لنيل وقف كارثة، كما أنّه تعبير عن تواضع النفس أمام الله، وهو ما يعادل إذلال النفس".
ومن مظاهر صومهم "أنّهم كانوا لا يدهنون رؤوسهم بالزيت ويبكون وينوحون وينثرون الرماد على رؤوسهم ويتركون أيديهم غير مغسولة، ويلبسون المسوح".
ويصوم اليهود عدة أيام متفرقة من السنة أهمها صوم يوم الغفران (يوم كبور)، في العاشر من تشـرين، وهو الصوم الوحيد الذي ورد في أسفار موسـى الخمسـة، ويبدؤون صيامه قبل غروب الشمس بنحو ربع ساعة إلى ما بعد غروب الشمس في اليوم التالي بنحو ربع ساعة، فهو لا يزيد عن خمس وعشرين ساعة متتالية وهو عاشوراء اليهود، وما زال فيهم حتى اليوم.
يقول في سفر اللاويين: "ويكون لكم فريضة دهرية أنّكم في الشهر السابع في عاشر الشهر تذللون نفوسكم".
وثمة أيام صوم عديدة أخرى مرتبطة بأحزان جماعة يسرائيل وردت في كتب العهد القديم الأخرى. ومعظم هذه الأيام مناسبات قومية ومن أهمها:
1 - صوم يوم التاسع من آب، ذكرى يوم هدم الهيكل (خراب الهيكل في المُصطلَح الديني) الأول والثاني.
2 - صوم يوم السابع عشر من تموز الذي يصوم فيه اليهود بسبب مجموعة من الكوارث القومية وردت في التلمود، فهو اليوم الذي حطم فيه موسى لوحي الشريعة، وهو اليوم الذي نجح فيه تيتوس في تحطيم حوائط القدس، ودخل فيه نبوخذنصر إلى المدينة، وحرق فيه الجنرال السوري إتسونيوموس لفائف الشريعة، وأقام فيه بعض الحاخامات أوثاناً على جبل صهيون.
3 - صوم يوم العاشر من يونيو، وهو اليوم الذي بدأ فيه نبوختنصر حصار القدس.
4 - ويصومون كذلك الثالث من تشرين، وهو ما يُعرَف باسم "تسوم جداليا" لإحياء ذكرى حاكم فلسطين الذي ذُبح بعد هدم الهيكل.
5 - ويصوم اليهود أيضاً في الثالث عشر من آذار صوم نادت به استير الزوجة اليهودية لملك فارس ازدشير بن بابك، قبل أن تنقذهم من مؤامرة هامان وزير الملك. ويقع قبل عيد النصيب.
وقد قرر الحاخامات أيام صيام أخرى إضافية من بينها صيام أسابيع الحداد الثلاثة، بين السابع عشر من تموز والتاسع من آب، باعتبارها الفترة التي نهب الجنود الرومان أثناءها الهيكل والقدس، وأيام التكفير العشرة (بين عيد رأس السنة ويوم الغفران)، وأكبر عدد ممكن من الأيام في أيلول، وأول يومي اثنين وخميس من كل شهر، وثاني يوم اثنين بعد عيد الفصح وعيد المظال. وقد فُسِّر هذا الصوم بأنه تكفير عما قد يكون المرء قد ارتكبه من إفراط أثناء العيدين السابقين.
ويصومون السابع من آذار باعتباره تاريخ موت موسى، يوم الغفران الصغير (يوم كيبور قاطان)، وهو آخر يوم من كل شهر. كما يمكن أن يصوم اليهودي في أيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، فهي الأيام التي تُقرأ فيها التوراة في المعبد.
وإلى جانب أيام الصيام التي وردت في العهد القديم، والتي قررها الحاخامات توجد أيام الصيام الخاصة أيضاً؛ في ذكرى موت أبويه أو أستاذه، وصوم العريس والعروس يوم زفافهما... ومعظم يهود العالم داخل وخارج فلسطين لا يقيمون شعيرة الصوم ولا حتى في يوم الغفران.

وفي التوراة الحالية مدح للصوم والصائمين :

فإنّ موسى عليه السلام صام أربعين يوماً، حيث قالت التوراة: "أقمت في الجبل أربعين نهاراً وأربعين ليلة لا آكل خبزاً ولا أشرب ماء".
وقد قيل ليوسف عليه السلام: لمَ تجوع وفي يديك خزائن الأرض؟
فقال عليه السلام: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.
ويوجد عند قدماء اليهود صوم من نوع خاص، وهو صوم الصمت، وهو: استغراق الصامت في صمته النصحوب بذلة التوبة والندم والشعور بالخطيئة. وهي رغبة منوطة بالاختبار وليس لها وقت محدد.
وهي شعيرة دينية أخذها اليهود من الشعوب القديمة، وتمثل رغبة عن الحديث إلى الناس بالتفرغ للعبادة .
وقد حوت ديانتهم على ثلاثة ضروب من الصمت وهي :

1 - صمت السلوك: وهو سلوك اجتماعي ناجح حيث يبقي على الناس حبهم واحترامهم، ويصور العهد القديم الصامت عاقلاً إذ يقول: "ولذلك يصمت العاقل"، ويرى كذلك "الجاهل يكثر الكلام". وهناك إشارة إلى هذا النوع من الصوم عندما صمت بنو إسرائيل وجميع الشعب وجاءوا إلى بيت إيل وبكوا وجلسوا هناك أمام الرب وصاموا ذلك اليوم إلى المساء.

ب - آية الصمت: ولهذا النوع إشارات إحداهما في التوراة والأخرى في القرآن الكريم. فالتوراة تذكر أنّ حزقيال قد خوطب بالانعزال عن بني إسرائيل بعدما تمادوا في طغيانهم وتكرر الخطيئة من لدنه. تقول التوراة: "اذهب، أغلق على نفسك.. لأنّهم بيت متمرد". وكذلك عندما أخبرهم بقرب خراب أورشليم. أما إشارة القرآن الكريم فيحدثنا بها زكريا عليه السلام، حين بشرته الملائكة بيحيى من زوجته العقيم فقد طلب إلى ربه آية يعرف بها ليتلقى تلك النعمة بالشكر فقال له تعالى: ﴿ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً .

ج - صيام الصمت: وهو استغراق الصامت في صمته ضارباً على ثوب التوبة من الخطايا والندم على ما اقترفه اللسان من بذيء الكلام وفاحشه. وهذا النوع من الصيام معروف لدى الديانات القديمة، كما أنّه ليس له وقت محدد. وعبارة "قدسوا صياماً" و"نادوا باعتكاف" متكررة في العهد القديم، ويجد الصامت نفسه تائباً لربه، مستشفعاً بصمته؛ كما في نصيحة داوود عليه السلام لبني إسرائيل: "ارتعدوا ولا تخطئوا.. تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واسكتوا".
ويشير القرآن الكريم إلى صيام الصمت في بني إسرائيل، فقد مارسته العذراء مريم excaim﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً .

الصوم عند المسيحيين :

اهتم شراح الكتاب المقدس بالصيام رغم اعترافهم بعدم وجوب فرضه فيه تحديداً آنياً أو كيفياً، ويعتبرونه إلى جانب الصلاة والصدقة أحد الأركان الأساسية لدينهم.
وما جاءت به المسيحية عبر مراحل تأثرها وتطورها يصعب تسميته بشرع سماوي، فالكثير الغالب فيه تشريع كنسي وضعه القساوسة والرهبان وصادقت عليه مجامعهم الكنسية التي عدت قراراتها دات قدسية ملزمة على كل مسيحي، وأن من يخالفها يعد كافراً.
وليس في العهد الجديد وصية تطلب الصوم، إنما يفهم أمره أنه أمر اختياري يلجأ إليه المسيحي عند الحاجة ويقترن بالصلاة والتدلل وليس في الكتاب المقدس ما يحظر التنادي إلى يوم صوم وصلاة في كنيسة من الكنائس ولأجل حاجة ما.
والصوم لم يفرض في الأناجيل كفرض واجب، بل كل ما فيها هو مدح للصيام، مع النهي عن الرياء وإظهار الكآبة فيه، فقد قال الإنجيل :
"ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين، فإنّهم يغيّرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين".
"ومتى صمتم فلا تكونوا معبسين كالمرائين، فإنهم ينكرون وجوههم ليظهروا للناس صائمين الحق أقول لكم: إنهم قد نالوا أجرهم، أما أنت فمتى صمت فطيّب رأسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائماً، بل لأبيك الذي في الخفية، هو الذي يجازيك".
ولقد كانت سيرة السيد المسيح عليه السلام عبادة لله تعالى، فهو في صلاة مستمرة مع ربه، وصيام غير منقطع، يقول الإنجيل:
"حينئذ اقتاد الروح القدس يسوع إلى البريّة ليجربه إبليس، وبعد أن صام أربعين يوماً وأربعين ليلة جاع أخيراً".
"ورجع يسوع من الأردن وهو ممتلئ من الروح القدس واقتاده الروح إلى البرية حيث جرّبه إبليس أربعين يوماً، ولم يأكل في تلك الأيام شيئاً ...".
وإنّ المتصفح لسيرة المسيح عليه السلام من خلال ما جاء في الأناجيل يبدو له أنّه أراد للصائمين عدم إظهار صومهم للآخرين؛ لكيلا يصبحوا مرائين به كما يفعل اليهود آنداك، وبما أن الصوم عبادة نسكية وتوجه إلى الله تعالى نجد أن المسيح يحث أتباعه على الصوم ويمدحه، وهذا المديح اعتبره المسيحييون فرضاً كفائياً لا عينياً.
يقول الإنجيل: "ومتى صمتم فلا تكونوا معبسين كالمرائين، فإنّهم ينكرون وجوههم ليظهروا للناس صائمين الحق أقول لكم: إنّهم قد نالوا أجرهم، أما أنت فمتى صمت فطيّب رأسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائماً، بل لأبيك الذي في الخفية، هو الذي يجازيك".
ويرى فريق آخر أنّ المسيح عليه السلام لم يفرض عليهم صياماً إلا الصوم الكبير (صوم يوم الكفارة) السابق لعيد الفصح، وهو اقتداء بصوم اليهود المعروف بصوم (كيبور).
وظل المسيحيون الأوائل الذين كانوا ينتمون إلى السلالة الإسرائيلية يصومونه، أما المسيحيون الذين ينتمون إلى أصول أخرى فلم يلحوا في ذلك.
إنّ الصيام كما تدل عليه الأناجيل كان طوعياً أيام المسيح عليه السلام، وأصبح بعد رفعه كما يشير إلى ذلك الإنجيل في معرض رده على سؤال تلاميذ يوحنا: "عندئذ دنا إليه تلاميذ يوحنا، وقالوا: لم نحن والفريسيون نصوم، وتلاميذك لا يصومون، فقال لهم يسوع: أويستطيع بنو العرس أن يحدّوا ما دام العريس معهم؟ ولكنها ستأتي أيام يرفع فيها العريس عنهم، وعندئذ يصومون".
"فقالوا له: إنّ تلاميذ يوحنا يصومون كثيراً ويواظبون على الصلاة وكذلك تلاميذ الفريسيين وأما تلاميذك فيأكلون ويشربون، فقال لهم يسوع: وهل تستطيعون أن تصوموا بني العرس ما دام العريس معهم؟، فستأتي أيام... ومتى رفع العريس عنهم فحينئذ يصومون... في هذه الأيام".
إنّ سؤال تلاميذ يوحنا يدل على أنّ الصوم ليس بذي إلزام، ولو صح فرضه لبينه النبي عليهم كتشريع محدد في المدة والزمن، وما يجب فيه وما لا يجب من الأطعمة والأشربة، ولكنّه لم يأت بذلك في الإنجيل.
ومدة الصوم الكبير خمس وخمسون يوماً ودعي بالكبير لأنّه يحتوي على ثلاثة أصوام هي :
1 - أسبوع الاستعداد أو بدل السبوت.
2 - صوم الأربعين يوماً المقدسة التي صامها المسيح عليه السلام صوماً إنقطاعياً.
3 - صوم أسبوع الآلام.
وفي هذا الصوم لا يؤكل السمك الذي يؤكل في الصوم الصغير (صوم الميلاد) وذلك زيادة في التقشف والتذلل أمام الله.
ويختلف موعد هذا الصوم، في الكنيسة الأرثوذكسية، من عام إلى آخر بحسب تاريخ يوم عيد القيامة الذي يحدد في أي سنة من السنين بحسب قاعدة حسابية مضبوطة بحيث لا يأتي قبل يوم ذبح خروف الفصح أو معه وإنّما في يوم الأحد التالي له، حسب تعاليم الكنيسة.
ولا بد قي الصوم من الانقطاع عن الطعام لفترة من الوقت، وفترة الانقطاع هذه تختلف من شخص إلى آخر بحسب درجته الروحية واختلاف الصائمين في سنهم واختلافهم أيضاً في نوعية عملهم ولمن لا يستطيع الانقطاع حتى الساعة الثالثة من النهار فإنّ فترة الانقطاع تكون بحسب إرشاد الكاهن.
وأيضاً فإنّ الكاهن هو الذي يحدد الحالات التي تصرح فيها الكنيسة للشخص بعدم الصوم ومن أهمها حالات المرض والضعف الشديد.
أما عن الأسماء التي تعرف بها أسابيع الصوم الكبير، فقد قسمت الكنيسة الصوم الكبير إلى سبعة أسابيع يبدأ كل منها يوم الاثنين وينتهي يوم الأحد، وجعلت لأيام كل أسبوع قراءات خاصة ترتبط بعضها البعض ويتألف منها موضوع عام واحد هو موضوع الأسبوع.
وللشعور بلذة وحلاوة هذا الصوم يجب أن يقترن بالصلاة والصدقة والعمل بكل الوصايا.
وفرض بولس أصواماً على المسيحيين وتشهد بذلك رسالته الثانية إلى أهل كورنتوس. وبعد وفاة بولس بدأت مرحلة جديدة أخرى في التشريع الكنسي للصيام، إذ بان بوضوح تقنين خاص بالصوم محدد الأيام والساعات والأطعمة، خاصة في القرن الرابع الميلادي، والدافع لذلك هو الحاجة إليه وخوفاً من شعور عموم المسيحيين بأنّه لا يؤدي الغرض الذي من أجله ذكر الصيام في الأناجيل بعدما علموا أنّه فرض تطوعي لا إجباري.
وبدأت الكنائس المسيحية بفرض أيام للصوم تختلف مددها بين كنيسة وأخرى ويرتبط بعضها بحوادث جرت على المسيح عليه السلام كيوم القبض عليه من قبل الحاكم الروماني لفلسطين ويوم صلبه - كما يرى المسيحيون - ويوم مبعثه.

ما هو مفهوم الصوم في الحياة المسيحية؟

قبل أن نستفيض في الحديث عن الصوم المقبول لدى الله - بحسب رؤية المسيحيين - يجب أن نعرف أنّ هناك صوماً مرفوضاً من الله نقرأ عنه في سفر اشعياء: "وَيَسْأَلُونَ: مَا بَالُنَا صُمْنَا وَأَنْتَ لَمْ تُلاَحِظْ، وَتَذَلَّلْنَا وَلَمْ تَحْفِلْ بِذَلِكَ؟ إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تَلْتَمِسُونَ مَسَرَّةَ أَنْفُسِكُمْ وَتُسَخِّرُونَ جَمِيعَ عُمَّالِكُمْ. وَهَا أَنْتُمْ تَصُومُونَ لِكَيْ تَتَخَاصَمُوا وَتَتَشَاجَرُوا فَقَطْ، وَتَتَضَارَبُوا بِكَلِمَاتٍ أَثِيمَةٍ. إِنَّ مِثْلَ صَوْمِكُمُ الْيَوْمَ لاَ يَجْعَلُ أَصْوَاتَكُمْ مَسْمُوعَةً فِي الْعَلاَءِ. أَيَكُونُ الصَّوْمُ الَّذِي أَخْتَارُهُ فِي إِذْلاَلِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ يَوْماً، أَوْ فِي إِحْنَاءِ رَأْسِهِ كَالْقَصَبَةِ، أَوِ افْتِرَاشِ الْمِسْحِ وَالرَّمَادِ؟ أَتَدْعُو هَذَا صَوْماً مَقْبُولاً لَدَى الرَّبِّ؟ ...".
وهنا نجد أنّ الصوم المرفوض من الله هو الصوم الشكلي المظهري الغير نابع من أعماق القلب، فهذا صوم يمارسه الإنسان لكي يظهر صائماً وقد حذر المسيح من هذا الصوم قائلاً: "ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين، فإنّهم يغيّرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين. الحقَّ أقول لكم إنهم قد استوفوا أَجْرَهم".
وهناك علّة أخرى في هذا الصوم تجعله أكثر رفضاً من الله وهو أنّ الصائم إنّما يصوم ويُوجد لنفسه مسرّة في يوم الصوم، وبكل أشغاله يسخر غيره حتى يفقد الصوم فاعليته في حياة الإنسان الصائم، بل كثيراً ما يؤدي هذا الصوم إلى الخصومة والنزاع والضرب بكلمة الشر.
أما الصوم المقبول فيكمل به الحديث في سفر أشعياء بالقول: "أَلَيْسَ الصَّوْمُ الَّذِي أَخْتَارُهُ يَكُونُ فِي فَكِّ قُيُودِ الشَّرِّ، وَحَلِّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقِ سَرَاحِ الْمُتَضَايِقِينَ، وَتَحْطِيمِ كُلِّ نِيرٍ؟ أَلاَ يَكُونُ فِي مُشَاطَرَةِ خُبْزِكَ مَعَ الْجَائِعِ، وَإِيْوَاءِ الْفَقِيرِ الْمُتَشَرِّدِ فِي بَيْتِكَ. وَكُسْوَةِ الْعُرْيَانِ الَّذِي تَلْتَقِيهِ، وَعَدَمِ التَّغَاضِي عَنْ قَرِيبِكَ الْبَائِسِ؟".
وهنا نرى أنّ الصوم المقبول بل المختار هو الصوم الناتج من القلب المُسلّم ليد الرب والخاضع والمطيع لمشيئة الله والممتلئ بالثمر الصالح والسلوك المستقيم، فأساس الأمر أنّ الله ينظر إلى القلب وليس إلى المظاهر الخارجية، فهو ينظر إلى الداخل وليس إلى الخارج.
فإن كان الداخل، أي قلب الإنسان، نقياً بنعمة الله، يقبل الله صوم الإنسان وصلاته وعبادته، لذلك أضاف المسيح صفة أخرى هامة لهذا الصوم المقبول حينما قال: "وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. لكي لا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية".
ويشير المسيح إلى أنّ ما يؤكد صدق وأمانة الإنسان الصائم أنه لا يريد أن يظهر للناس صائماً بل هو يتذلل في الخفاء أي قلبياً أمام الله الذي هو: "فاحص القلب مختبر الكل".
ونلاحظ أيضاً قول المسيح: "أبوك الذي يرى في الخفاء".. فكلمة أبوك تشير إلى العلاقة الحقيقية الوثيقة بين الصائم والله فهي علاقة الأب بابنه، فحينما تقود هذه العلاقة الإنسان في سلوكه بقداسة وبصلاة وصوم حينئذ يكافئ الله مثل هذا الإنسان علانية. كما ذكر أيضاً أشعياء النبي بعض هذه المكافآت فقال: "حينئذٍ ينفجر مثل الصبح نورك وتنبت صحتك سريعاً ويسير برك أمامك ومجد الرب يجمع ساقتك. حينئذٍ تدعو فيجيب الرب. تستغيث فيقول هاأنذا. إن نزعت من وسطك النير والإيماءَ بالأصبع وكلام الإثم وأنفقت نفسك للجائع وأشبعت النفس الذليلة يشرق في الظلمة نورك ويكون ظلامك الدامس مثل الظهر ويقودك الرب على الدوام ويشبع في الجدوب نفسك وينشط عظامك فتصير كجنَّة ريَّاً وكنبع مياهٍ لا تنقطع مياههُ. ومنك تُبنَى الخِرَب القديمة. تقيم أساسات دور فدور فيسمونك مرمم الثغرة مرجع المسالك للسكنى".
ويعبر أيضاً بولس عن مقدار ما يستمتع به الإنسان الذي له علاقة وشركة حيَّة وحقيقية مع الله إذ يقول: "وسلام الله الذي يفوق كلَّ عقلٍ يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع".

ولكن متى يصوم الإنسان عند المسيحية؟

من دراستنا لكتابهم نجد أنّ الصوم مرتبط بعدة أمور نذكر بعضاً منها:
أولاً: مرتبط بالتوبة والرجوع إلى الله وطلب رحمته :
كما قال يوئيل النبي: "قدّسوا صوماً نادوا باعتكافٍ اجمعوا الشيوخ جميع سكّان الأرض إلى بيت الرب إلهكم واصرخوا إلى الرب". وأيضاً يكمل يوئيل النبي كلامه قائلاً: "ولكن الآن يقول الرب ارجعوا إلى بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والنوح. ومزقوا قلوبكم لا ثيابكم وارجعوا إلى الرب إلهكم لأنهُ رؤوف رحيمٌ بطئُ الغضب وكثير الرأفة ويندم على الشر. لعلهُ يرجع ويندم فيُبقي وراءَهُ بركة تقدمة وسكيباً للرب إلهكم. اضربوا بالبوق في صهيون قدّسوا صوماً نادوا باعتكاف. اجمعوا الشعب قدّسوا الجماعة احشدوا الشيوخ اجمعوا الأطفال وراضعي الثديّ ليخرج العريس من مخدعهِ والعروس من حَجلَتها. ليبكِ الكهنة خدام الرب بين الرواق والمذبح ويقولوا اشفق يارب على شعبك ولا تسلم ميراثك للعار حتى تجعلهم الأمم مَثَلاً. لماذا يقولون بين الشعوب أين إلههم".
وهكذا نرى أنّ "ذبائح الله هي روحٌ منكسرة. القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقرهُ".
ثانياً: الصوم مرتبط بطلب رحمة الله بكل لجاجة في المصائب والأوقات الصعبة:
مثلما حدث أيام مردخاي بعدما أقنع هامان الشرير الملك بإبادة اليهود "وأرسلت الكتابات بيد السعاة إلى كل بلدان الملك لإهلاك وقتل وإبادة جميع اليهود من الغلام إلى الشيخ والأطفال والنساء في يوم واحد في الثالث عشر من الشهر الثاني عشر أي شهر آذار".. "ولما علم مردخاي (عبد الله التقي) كل ما عُمِل شقَّ مردخاي ثيابه ولبس مسحاً برماد وخرج إلى وسط المدينة وصرخ صرخة عظيمة مُرَّة"، ويقول الكتاب: "وفي كل كورة حيثما وصل إليها أمر الملك وسنَّتُهُ كانت مناحة عظيمة عند اليهود وصوم وبكاء ونحيب. وانفرش مسح ورماد لكثيرين".
وماذا كانت النتيجة؟
أباد الله هامان الشرير وعلَّقه على صليبه ورد الغضب عن شعبه وصدر الأمر لليهود أن يكونوا مستعدين لهذا اليوم الذي تقرر قبلاً إهلاكهم فيه لينتقموا من أعدائهم.
ويكمل الكتاب القصة بهذه الأقوال: "وخرج مردخاي من أمام الملك بلباس ملكي اسمانجوني وأبيض وتاج عظيم من ذهب وحلَّة من بزٍّ وارجوان. وكانت مدينة شوشن متهلّلة وفرحة. وكان لليهود نور وفرح وبهجة وكرامة. وفي كل بلاد ومدينة كل مكانٍ وصل إليهِ كلام الملك وأمرهُ كان فرح وبهجة عند اليهود وولائمِ ويوم طَيِّب. وكثيرون من شعوب الأرض تهوَّدوا لأن رعب اليهود وقع عليهم".


ثالثاً: الصوم مرتبط بالتذلل لطلب القوة الروحية الإيمانية للانتصار على قوة الشر:

فحينما لم يقدر تلاميذ المسيح أن يخرجوا شيطاناً من غلام قدموه للمسيح "فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان فشُفي الغلام من تلك الساعة. ثم تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد وقالوا لماذا لم نقدر نحن أن نُخرجهُ. فقال لهم يسوع لعدم إيمانكم. فالحقَّ اقول لكم لو كان لكم إيمانٌ مثل حبَّة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيءٌ غير ممكنٍ لديكم. وأما هذا الجنس فلا يخرج إلاّ بالصلاة والصوم".. لذلك إن كان في حياتنا أيّ انهزام أمام العدو فعلينا أن نتذلل ونتواضع تحت يد الله القوية بالصوم والصلاة لكي يرفعنا الله في حينه.


رابعاً: الصوم مرتبط بالخدمة والمهام الجليلة التي يكلفنا بها الرب:

فنحن نقرأ في سفر الأعمال: "وكان في انطاكية في الكنيسة هناك أنبياء ومعلّمون… وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه. فصاموا حينئذٍ وصلّوا ووضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما" وبالفعل إذ انطلقا استخدمهما الرب بقوة فبشرّا وتلمذا كثيرين ويقول الكتاب أيضاً عنهما أنهما كانا "يشددان أنفس التلاميذ ويعظانهم أن يثبتوا في الإيمان وأنه بضيقاتٍ كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله. وانتخبا لهم قسوساً في كل كنيسة ثم صلّيا بأصوامٍ واستودعاهم للرب الذي كانوا قد آمنوا به".
وهكذا نرى دائماً بركات التذلل أمام الرب الإله والسلوك بالتواضع أمامه "لذلك يقول يقاوم الله المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة. فاخضعوا لله. قاوموا إبليس فيهرب منكم. اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم. نقّوا أيديكم أيها الخطاة وطهّروا قلوبكم يا ذوي الرأيين. اكتئبوا ونوحوا وابكوا. ليتحول ضحككم إلى نوحٍ وفرحكم إلى غمٍ. اتضعوا قدام الرب فيرفعكم".

الصوم في الإسلام

الصوم مصدر صام يصوم صوماً وصياماً. وهو في اللغة: الإمساك مطلقا عن الطعام والشراب والكلام والنكاح والسير.
قال تعالى - حكاية عن مريم عليه السلام -: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً.
ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير أو العلف (صائم) قال الشاعر:
خيل صيام وأخرى غير صائمة
وقيل للريح الراكدة: صوم، ولاستواء النهار صوم تصوراً لوقوف الشمس في كبد السماء.
والصوم في المصطلح الإسلامي: هو الإمساك عن المفطر على وجه مخصوص.
وقد أراد بعض المستشرقين أنّ يوجّه إلى أنّ الصوم في محتواه الإسلامي مأخوذ من الاستعمال اللغوي (اليهودي - الآرامي) وهذا الرأي ما هو إلا ظن صرف لا يؤيده أي دليل، بل نلاحظ أنّ الاستعمال العربي فيه أقدم وذلك لعدة أسباب:
1- المعروف أنّ اللغة العربية هي الأقدم بين اللغات السامية التي تفرعت عن اللغة الأم، وهي في موطنها الداخلي آصل وأبعد عن التأثيرات الأجنبية.
2- إنّ الأصول اللغوية للمصطلحات الشرعية الإسلامية كانت موجودة في اللغة العربية، كما كان يتكلمها أهلها في البيئة التي نزل فيها القرآن، والإسلام هو الذي خصصها بمعان جديدة، لكن على أساس استعمالها اللغوي الجاري.. ولولا أنّ القرآن جاء بلغة العرب المستقرة بينهم لما فهموه.
3- لقد حافظ العرب أنفسهم على جزء كبير من تراثهم الروحي الذي ورثوه عن الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليه السلام، وهذا التراث قد بقي عندهم حياً بعيداً من الاضطراب زماناً طويلاً.


وهو بطبيعة الحال تراث يرجع إلى ما قبل اليهودية والمسيحية. ولما جاء الإسلام جاء بانياً على ملة إبراهيم، وهي التوحيد الخالص بعدما أصابها بسبب:

أ - اضطراب التراث الديني عند اليهود وذلك بسبب إغفالهم عن تدوين تراثهم وما التوراة إلا تعاليم كتبت بعد موسى عليه السلام بعهد طويل.
ب - ما أصاب الدين الأصيل من الاختلاف والتطاعن بين اليهودية والمسيحية.
ج - تسرب مجموعة من العناصر الغريبة إلى الدين عندهم وضياع التراث الحقيقي وطروء التغير عليه.
4 - لقد كان بمكة - قبل الإسلام - مجموعة تطلق على نفسها لقب (الحنفاء) لم يتأثروا باليهودية والنصرانية، وإنما كانوا موحدين مبتعدين عن مفاسد الجاهلية. وتدل تسميتهم بـ(الحنفاء) على صلة بدين إبراهيم عليه السلام؛ لأنّه كان معروفاً عند العرب بـ(الحنيف) أي: المائل عن الوثنية والشرك. وكان بنو هاشم في سلسلة الحنفاء.
5 - إذا كان في الإسلام شيء موجود في ديانات منزلة سابقة فذلك لأنّه دين منزل مثلها، وهو جاء مصدقاً لما قبله من الأديان، ومصححاً، ومكملاً لها.. وما هو مشترك بينه وبينها ليس بتأثر ولا بتقليد، وإنما هو تجديد للتشريع المتقدم.
6 - ثم إنّ صيام اليهود والنصارى يفترق عن الصيام في الإسلام. ففيما يتعلق بصوم اليهود لم يُفرض عليهم إلا صوم واحد.. وبعد ذلك في عصور مختلفة كان اليهود يصومون أياماً في مناسبات. وكان من مظاهر تقشفهم في الصوم أنّهم كانوا يلبسون المسوح على أجسادهم، وينثرون الرماد على رؤوسهم، ويتركوا أيديهم غير مغسولة، ورؤوسهم غير مدهونة، ويصرخون ويتضرعون ويبكون.
وهذا مما نقده السيد المسيح؛ لأنّه تظاهر.. فقال: "ومتى صمتم فلا تكونوا معبسين كالمرائين، فإنهم ينكرون وجوههم ليظهروا للناس صائمين الحق أقول لكم: إنهم قد نالوا أجرهم، أما أنت فمتى صمت فطيّب رأسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائماً، بل لأبيك الذي في الخفية، هو الذي يجازيك".
وأما الصيام عند النصارى فمن المعروف أنّ السيد المسيح لم يكن يصوم الأصوام الشرعية المعروفة من قبل، ولكن يذكر أنّه صام مرة أربعين يوماً بلياليها، لكنه لم يفرض صياماً معيناً، ثم جاءت الكنيسة ففرضت الصوم ونظمته.
فالصوم بحسب الديانتين اليهودية والمسيحية، وكما حفظ تراثهما، تكوّن وشكّل مع تطور الحياة الدينية وطبقاً لتنظيم الهيئات الدينية.
ولذا جاء الصوم الإسلامي شيئاً جديداً، وهو فرض صيام شهر بأكمله، وهذا الصوم له شروط وآداب مفصلة، وهو ليس مجرد كف عن الطعام والشراب ونحوهما من الجسديات، ولا هو تقشف ظاهري، وإنما هو حياة روحانية، حياة ذكر وفكر، وإحسان وبر، وتخلق بمكارم الأخلاق.


وتوجد ألفاظ ذات صلة بمفردة الصوم وهي :

1 - الإمساك: وهو لغة: حبس الشيء والاعتصام به، وأخذه وقبضه، والإمساك. عن الكلام هو: السكوت، والإمساك: البخل. وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أمر بحبسهن وهو بذلك أعم من الصوم.
2 - الكف عن الشيء: وهو لغة: تركه، وإذا ذكر المتعلق من الطعام والشراب كان مساوياً للصوم.
3 - الصمت والسكوت: وهما لغة: الإمساك عن النطق، وهما أخص من الصوم لغة، لا شرعاً؛ لأن بينهما وبينه تبايناً.
وقد أجمعت الأمة على أن صوم شهر رمضان فرض. والدليل على الفرضية قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلكُم تَتقُونَ، وقوله ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ: أي فرض. وقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.

وللصوم في الإسلام عدة مزايا وخصوصيات هي :

أولاً : نسبة الصوم لله تعالى :

لقد خصّ الله تعالى هذه الفريضة إلى نفسه، حيث يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزي عليه"، وتخصيص الصوم بذاته المقدسة - مع أنّ العبادات كلها له سبحانه وتعالى - ربما كان لأمرين:
أ - إنّ الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها، ما لا يمنع منه سائر العبادات.
ب - إنّ الصوم سرّ بين العبد وبين ربه، لا يظهر إلا له، فصار مختصاً به، وما سواه من العبادات ظاهر قد يدخله الرياء.
ولهذا فإنّ الصوم هو الكفّ عن اقتضاء الشهوتين: شهوة البطن وشهوة الفرج، وإنما صار الصوم قربة بواسطة النفس المحتاجة إلى نيل اللذات والشهوات، فهي أمارة بالسوء.
ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: "والصيامَ ابتلاء لإخلاص الخلق"، إذ الغاية الأولى في الصوم تعبّد مثالي وزهد حقيقي، لما فيه من الاستعانة على تقوى الله تعالى، بحيث يترك محبوبات النفس من شراب وطعام وجنس وغيرها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته.

ثانياً: مكانة الصائم:

إنّ كل حركة من حركات الصائم تُعدّ نفحة إلهية لها قدسيتها عند الله عز وجل، وهذه الخصائص تكونت ببركة الصوم.
يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ رسول الله excaim قال: نوم الصائم عبادة، ونفَسه تسبيح".
وفي الحديث القدسي: "يا موسى لخلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك".

ثالثاً: خصوصية شهر رمضان:

خصوصية الزمان له انفتاح حركي خاص في وعي ونفس الصائم، مما يضفي جواً من التحولات النفسية والخارجية بصورة واضحة وجلية على الفرد والمجتمع، فكان شهر رمضان زماناً قدسياً يحمل من الخصائص المعنوية ما لا تحتمله عقول البشر.
يقول الإمام زين العابدين عليه السلام: "اللهم وأنت جعلت من صفايا تلك الوظائف وخصائص تلك الفروض شهرَ رمضان الذي اختصصته من سائر الشهور، وتخيرته من جميع الأزمنة والدهور، وآثرته على كل أوقات السنة بما أنزلت فيه من القرآن والنور، وضاعفت فيه من الإيمان، وفرضت فيه من الصيام...، ثم آثرتنا به على سائر الأمم، واصطفيتنا بفضله دون أهل الملل فصمنا بأمرك نهاره، وقمنا بعونك ليله".
وفي شهر رمضان تتعانق الرحمات والألطاف الإلهية، وتغلّ مردة الشياطين عن أن يستجاب لها.
يقول الإمام الباقر عليه السلام: "كان رسول الله excaim يقبل بوجهه إلى الناس، فيقول: يا معشر الناس إذا طلع هلال شهر رمضان غلّت مردة الشياطين، وفتحت أبواب السماء، وأبواب الجنان، وأبواب الرحمة، وغلّقت أبواب النار، واستجيب الدعاء، وكان لله فيه عند كل فطر عتقاء يعتقهم الله من النار، وينادي مناد كلّ ليلة: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ اللهم أعط كلّ منفق خلفاً، وأعط كلّ ممسك تلفاً حتى إذا طلع هلال شوال نُودي المؤمنون أن اغدوا إلى جوائزكم فهو يوم الجائزة".
وهو تصديق للحديث القدسي: "الصوم لي وأنا أجزي عليه".
يقول الشيخ محمد تقي المجلسي : "وأما قوله: "وأنا أجزي به" بالمعلوم كما هو المشهور، لبيان كثرة الجزاء لأنّه تعالى إذا أخبر بأنّه يتولى بنفسه جزاءه فبالحري أن يكون جزاؤه لا يتناهى، وتقديم الضمير للتخصيص كما هو الظاهر، أي أجازيه به ولا أكِلُهُ إلى ملائكتي".

وإذا ما أردنا أن نتلمس الإخلاص عملياً لنفهم قيم الصوم علينا أن نجيب على هذا السؤال المهم: كيف يتصور الناس الصوم؟
تتباين أراء الناس بخصوص غرض الصوم.
1 - هناك مجموعات تقول إنّ الله عز وجل فرض علينا الصوم لكي نشعر بالفقراء وما يعانونه من جوع وحرمان!! ونسي هؤلاء أنّ العطف على الفقراء والمساكين لا يتولد من الإحساس بالجوع بل من الخُلق الكريم. والدليل على ذلك: أنّ كثيرين ممن اعتادوا الصوم لا يبالون في صومهم بهؤلاء أو أولئك وإن تصدقوا عليهم أحياناً أثناء الصوم قلما يبالون بهم بعد انتهائه. فضلاً عن أنّه لو كان الغرض من الصوم هو الإحساس بالجوع لما كان للفقراء أن يصوموا أبداً لأنّهم يحسون به في كل يوم، فالله سبحانه وتعالى فرض الصوم على الأغنياء كما فرضه على الفقراء الذين لا حاجة لهم أن يشعروا بأنفسهم.
2 - وبعض الناس يقولون إننا نصوم حفاظاً على مظاهرنا الدينية لدى أصدقائنا الصائمين. ونسي هؤلاء أنّ الصوم لهذا الغرض لا يُعتبر فضلاً في نظر الله بل هو رياء وتظاهر بغير الحقيقة.
3 - ويقول فريق آخر إنّ الله سبحانه وتعالى فرض علينا الصيام ليغفر لنا ما تقدم من ذنوبنا ولكنّ هذا الرأي غير صحيح لأنّه لو كان الله سبحانه يغفر ذنوب الإنسان بسبب صيامه أو حسناته لأصبح الغفران استحقاقاً مفروضاً على الله وليس رحمة وتكرماً منه.
4 - وفريق من الناس يقول إننا ننتهز فرصة الصيام فلا نسرق ولا نغش ولا نكذب. ويظن أصحاب هذا الرأي أنّهم بهذا ذوو فضيلة، ونسي هؤلاء أنّ الله سبحانه لا يرضى بالذنب والشر في كل شهور السنة وليس في وقت الصيام فقط.
5 - وهناك من يقولون إننا نصوم لنقضي على أهوائنا وشهواتنا. وهؤلاء الناس وإن كانوا أفضل كثيراً ممن جاء ذكرهم سابقاً إلا أنّهم نسوا أنّ الميل إلى الخطيئة ليس كامناً في الجسد حتى يتمكن الارتقاء فوق هذا الميل بالصوم بل إنّ الميل إلى الخطيئة يقبع داخل النفس بدليل أنّ يد السارق الذي يصوم كثيراً لا تختلف في تركيبها الجسماني عن يد الأمين الذي لا يصوم على الإطلاق. إنّما الفرق بينهما هو أنّ نفس الثاني أمينة ومن ثم توحي إليه بمراعاة الأمانة، ونفس الثاني شريرة ومن ثم توحي إليه بالسرقة. هذا فضلاً عن أنّ كثيراً من الصائمين وإن كانوا لا يفعلون في الظاهر الخطايا التي اعتادوا عليها. إلا أنّهم في أثناء صومهم قد يشتهونها ويفكرون فيها ويتحدثون عنها.
وبناء على كل هذا فليس كل صوم مقبولاً عند الله فهناك أصوام باطلة لا تعتبر بالحقيقة أصواماً، وهي مرفوضة تماماً من الله. فكيف يقبل الله عز وجل صوماً سيهدف الصائم من ورائه كسب مديح الناس وإطرائهم ؟!
يقول الرسول excaim "أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله".
ويقول علي عليه السلام: "صيام القلب عن الفكر في الآثام أفضل من صيام البطن عن الطعام".
وقال عليه السلام: "صوم النفس عن لذات الدنيا أنفع الصيام".
وقال عليه السلام: "صوم النفس إمساك الحواس الخمس عن سائر المآثم، وخلو القلب عن جميع أسباب الشر".
وقال الصادق عليه السلام: "سمع رسول الله excaim امرأة تسب جارية لها وهي صائمة، فدعا رسول الله excaim بطعام، فقال لها: كلي.
فقالت: إنّي صائمة.
فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك، إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب فقط".
فكيف يقبل الله سبحانه صوماً يكون غرضه التباهي والافتخار؟
أو كيف يقبل الله صوماً غير مقترن بالتوبة عن الذنوب؟!
إنّ الله (قدوس) يريد القلب النقي أكثر مما يريد المعدة الخاوية والجسد الجائع!! فالإنسان الذي يصوم فمه عن الطعام، ولا يصوم قلبه عن الخطايا والشرور، ولا يصوم لسانه عن الأباطيل... فإنّ صومه باطل. إنّ منع النفس عن الطعام لا بد أن يمتد إلى أن يصير منعاً عاماً عن كل ما يغضب الله.
إنّ الصوم هو علاقة عبادية روحية بين الإنسان وربه، وهذه العبادة يجب أن لا تمارس تحت ضغوط ونظم معينة، بل يجب أن تكون بإرادة القلب وشوق الروح، فالصوم عامل هام من عوامل تعميق الشركة الروحية مع الله ففيه يتجه الإنسان نحو الله فيقلل من الروابط التي تربطه بالأرض ويضبط عناصر طبيعته نحو السماء فيأخذ نعمة تساعده على التقدم في الطريق الروحي.
إنّ الصوم هو فترة حب لله سبحانه والتصاق به، وبسبب هذا الحب يرتفع الصائم عن مستوى الجسد ليسمو بالروح ويرتفع عن الأرضيات ليرقي إلى السمائيات.
ومتى كان الصوم بهذا الشكل تصير فيه علاقة الإنسان بخالقه علاقة عميقة وحميمة إن كان هذا الصوم مقبولاً عند الله.
إنّ الصوم هو الذي تشعر فيه بأنّ الله موجود في حياتك ووجوده ظاهر في تصرفاتك وكلماتك، ويوم الصوم الذي لا تفكر في الله يجب أن تشطبه من أيام صومك.
ولكي يكون الصوم مقبولاً لدى الله على الصائم ألا يفتخر بصومه أو يتحدث للناس عنه بل أن يغسل وجهه ويمشط شعره حتى لا يظهر للناس صائماً بل الله الذي في السماوات والذي سيكافئه.
والصوم المقبول عند الله هو الصوم المقترن بالتوبة، فالأشرار الذين يكتفون من الصوم بالامتناع عن الطعام والشراب يخاطبهم الله سبحانه - كما جاء على لسان حبيبه excaim -: "لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل الله منكم إلاّ بورع".
أليس الصوم الذي أختاره يكون في فَكِّ قيود الشر وحلِّ عقد نير الذل والاستعباد وإطلاق سراح المتضايقين وتحطيم كل نير؟
ألا يكون في مشاطرة زادك مع الجائع وإيواء الفقير المتشرد وكسوة العريان الذي تلتقي وعدم التغاضي عن قريبك البائس؟
إنّ الله سبحانه يهمه بالدرجة الأولى محاربة الفساد وترسيخ قيم الحب والعدل ومساعدة الفقراء المحتاجين وما أروع أن يكون الصوم صوماً للسان عن التفوه بالأكاذيب وكلام السفاهة، وصوماً للسيد عن أخذ الرشوة أو السرقة من مال وممتلكات الغير، وصوماً للعين عن النظرات الشريرة الشهوانية، وصوماً عن الأنانية وحب الذات.. هذا الصوم بما فيه من ضبط وكبح لجماح شهوات الجسد وبما فيه توبة قلبية حقيقية يكون مقبولاً عند الله.
وكما قال علي عليه السلام - مناظراً بين صوم الجسد وصوم النفس -: "صوم الجسد الإمساك عن الأغذية بإرادة واختيار خوفاً من العقاب ورغبة في الثواب والأجر، وصوم النفس إمساك الحواس الخمس من سائر المآثم وخلو القلب من أسباب الشر".
ويقول حفيده زين العابدين عليه السلام: "وأعنا على صيامه بكفّ الجوارح عن معاصيك واستعمالها فيه بما يرضيك".

الشرائط المعنوية في الصيام

يتجه كثير من المسلمين إلى أن تكون علاقته بالصيام من خلال الإمساك عن المفطرات الحسية كالأكل، والشرب، والجماع.. وغيرها. متجاهلاً أو غافلاً عن وجود مفطرات معنوية ينبغي للمسلم أن يمسك عنها لأنّها تمثل الخط الموصل إلى الكمال المعنوي في الفرد الملتزم.
وقد حرص أئمة أهل البيت عليه السلام على تأكيد هذا الجانب المهم في العبادات الإسلامية لتبعد بالإنسان عن ممارسة حرفية العبادة دون أن تكون له دراية بعمقها الحركي في الحياة الإنسانية.
يقول الرسول الأكرم excaim: "لو صلّيتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل الله منكم إلا بورع".
ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: "ليس الصوم الإمساك عن المأكل والمشرب، الصوم الإمساك عن كل ما يكرهه الله سبحانه".
ويقول أيضاً - مناظراً بين صوم الجسد وصوم النفس -:
"صوم الجسد الإمساك عن الأغذية بإرادة واختيار خوفاً من العقاب ورغبة في الثواب والأجر".
"صوم النفس إمساك الحواس الخمس من سائر المآثم وخلو القلب من أسباب الشر".
ويقول زين العابدين عليه السلام: "وأعنا على صيامه بكفّ الجوارح عن معاصيك واستعمالها فيه بما يرضيك".
فعلى المسلمين أن ينهجوا منهج أوليائهم في الإمساك عن تلك المفطرات المعنوية بالتزامهم بخصائص ذلك المنهج والتي منها:
1 - الورع عن محارم الله:
ففي جملة من خطبة الرسول الأكرم excaim قال أمير المؤمنين عليه السلام: "فقمت، فقلت: يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟
فقال: يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله".
2 - عفة اللسان وغض البصر:
يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، - ثم قال -: قالت مريم: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرحْمَنِ صَوْمَاً أي صمتاً، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم، وغضّوا أبصاركم، ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا.
قال: وسمع رسول الله excaim امرأ ة تسبّ جارية لها وهي صائمة، فدعا رسول الله excaim بطعام، فقال لها: "كلي".
فقالت: إنّي صائمة!
فقال: "كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك، إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب فقط".
3 - الامتناع عن الغيبة:
قال رسول الله excaim: "ومن اغتاب أخاه المسلم بطل صومه وانتقض وضؤه، فإن مات وهو كذلك مات وهو مستحل لما حرّم الله".
4 - حفظ الجوارح عن القبائح:
يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إذا أصبحت صائماً فليصم سمعك وبصرك من الحرام، وجارحتك وجميع أعضائك من القبيح، ودع عنك الهذي وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصائم، والزم ما استطعت من الصمت والسكوت إلاّ عن ذكر الله، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك...".
5 - كراهة القُبلة والملامسة بشهوة:
عن الأصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، اُقبّل وأنا صائم؟
فقال له: "عفّ صومك، فإنّ بدو القتال اللطام".
فعلى ذوي البصائر أن يقفوا على هذه الشرائط - وغيرها - وقفة تأمل، حيث لا وصول إلى الغايات السامية في العبادة إلا بتلمس حقائقها، وبدون ذلك لا يرتقي الإنسان إلى روح العبادة الصحيحة، ويكون حظه كمن يقول في حقه أمير المؤمنين عليه السلام: "كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ".

آثار الصيام

الأثر الروحي :

1 - الصوم يعدُّ النفس للتقوى، لأنّه يميت الشهوات، فتترفع الإرادة عن المحظورات، وبالتالي يكون الإنسان أقرب إلى تقوى الله وطاعته. كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلكُم تَتقُونَ.
ويقول الإمام الرضا عليه السلام: "علة الصوم لعرفان مسّ الجوع والعطش، ليكون العبد ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً صابراً، ويكون ذلك دليلاً له على شدائد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات، واعظاً له في العاجل، دليلاً على الآجل".
2 - الصوم يعدُّ النفس لقهر الطبع وكسر الشهوة؛ لأنّ النفس إذا شبعت تمنت الشهوات، وإذا جاعت امتنعت عما تهوى، ولذا قال النبي excaim: "يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" .. فكان الصوم ذريعة إلى الامتناع عن المعاصي.
3 - الصوم يعدُّ النفس على وأد الشره الذي يقف حاجزاً أمام تقدم الآثار الروحية عند الإنسان، فالشره يؤدي إلى طغيان النفس، وابتعادها عن النقاء فإنّ "أقرب ما يكون العبد من الله إذا ما خفّ بطنه".
4 - الصوم يعدُّ النفس على أن تعيش واقعيتها مع الله عز وجل من دون لذة قاهرة تتحكم في معانيه الروحية، يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إنّي أكره أن أخلط صومي بلذة".
ولذا جاءت التوصيات المهمة عن أهل البيت عليه السلام بأن يترسم المؤمن في صومه غير يوم فطره، يقول الإمام الصادق عليه السلام: "وليكن عليك وقار الصائم، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك".
5 - إنّ الإنسان كلما استغرق في ذكر الآخرة أكثر كلما انضبط في ما يقبل عليه من النتائج في أعماله بين يدي الله تعالى أكثر، لأنّ الغالب منا أننا نغفل عن ذكر الآخرة، ولذلك فإننا نستعجل أرباح الدنيا ونتفادى خسائرها ونعطيها كل اهتماماتنا العقلية والشعورية والعملية، أما مكاسب الآخرة وخسائرها فإننا نواجهها باللامبالاة.
ولذلك، فإنّ الغالب منا أمام غفلاتنا هو أنه إذا دار الأمر بين أن يخسر أحدنا شيئاً في الآخرة أو يخسر شيئاً في الدنيا فإنه يغلّب خسارة الآخرة على خسارة الدنيا، أو إذا دار الأمر بين أن يربح شيئاً في الآخرة وشيئاً في الدنيا فإنه يقدّم ربح الدنيا على ربح الآخرة. ولذلك، نجد أن الله تعالى اهتم في القرآن الكريم بالحديث عن الآخرة وأهوالها وحساباتها حتى يظل الإنسان واعياً للآخرة، لأنه كلما ازداد وعي الآخرة في مشاعره أكثر كلما انضبط في الدنيا بما يريد الله تعالى له أن ينضبط أكثر. والجانب الآخر هو الجانب الاجتماعي الذي يتصل بعلاقة الإنسان بالفئات المحرومة.
في الجانب الأول نقرأ في الخطبة المروية عن النبي excaim في آخر جمعة من شعبان: "اذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه"، وكأنه ينبغي للإنسان أن لا يتملّى من الطعام والشراب كثيراً، بل أن يتناول في سحوره ما يتحسس به بعض الجوع والعطش، حتى إذا أحسّ بالجوع والعطش ذكر الموقف يوم القيامة، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، وفي الآخرة لا يوجد مطاعم أو سبيل ماء، ليس هناك إلا رحمة الله عزّ وجلّ.. ويوم القيامة قد يطول الحساب فيه وقد يقصر، ولذلك فالذين عملوا السيئات ولم يتوبوا فإن حسابهم سوف يطول، وبذلك سوف يطول جوعهم وعطشهم، أما الذين تابوا إلى الله تعالى توبة نصوحا وعملوا الصالحات في موقع الإيمان، فإن موقفهم لن يكون طويلاً.
ولذا جاءت التوصيات المهمة عن أهل البيت عليه السلام بأن يترسم المؤمن في صومه غير يوم فطره، يقول الإمام الصادق عليه السلام: "وليكن عليك وقار الصائم، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك".
6 - لقد جاءت توصيات أئمة أهل البيت عليه السلام في الإمساك عن بعض الأشياء التي تتنافى وروحية الصوم؛ لأجل أن لا تؤثّر سلباً على نمط التدريب الذي أعدّه الله عز وجل للمؤمنين الصائمين، ومن هذه الأشياء:
أ - كراهة شمّ النرجس:
عن محمد بن الفيض، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام ينهى عن النرجس.
فقلت: جعلت فداك، لمَ ذاك؟
فقال: "لأنّه ريحان الأعاجم".
قال الشيخ المفيد  - تعليقاً على الرواية -: "إنّ ملوك الفرس كان لهم يوم في السنة يصومونه، وكانوا في ذلك اليوم يعدّون النرجس، ويكثرون من شمّه، ليذهب عنهم العطش، فصار كالسنّة لهم، فنهى آل محمد صلوات الله عليهم عن شمّه، خلافاً على القوم، وإن كان شمّه لا يفسد الصيام".
ب - كراهة شمّ الرياحين:
عن الحسن بن راشد: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الصائم، يشمّ الريحان؟
قال: "لا، لأنّه لذة ويكره له أن يتلذذ".
ج - كراهة استخدام المسك:
عن الإمام الصادق، عن أبيه عليه السلام: "إنّ علياً عليه السلام كره المسك أن يتطيب به الصائم".
ومع أنّ هذه الروايات وغيرها صرحت بكراهة شمّ الرياحين والنرجس واستخدام المسك أيضاً، إلاّ أنّ هناك توصيات أخرى بعدم البأس من استخدام الطيب معللة ذلك: "لأنّ الطيب سنّة، والريحان بدعة للصائم".
حيث إنّ الطيب يستحب في موارد كثيرة وأهمها الصلاة التي هي معراج المؤمن وقربان كل تقي.
د - كراهة لبس الثوب المبلل:
يقول الإمام الصادق عليه السلام: "لا تلزق ثوبك إلى جسدك وهو رطب وأنت صائم حتى تعصره".
هـ - كراهة إنشاد الشعر:
قال حمّاد بن عثمان: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "تكره رواية الشعر للصائم وللمحرم، وفي الحرم، وفي يوم الجمعة،...".
إنّ هذه الأمور وإن ورد فيها نهي تنزيهي فقط، إلاّ أنّها تحرص على أن يقف الإنسان على تعبد مثالي وزهد حقيقي بعيداً عن الاسفافات الحسية التي تصيّر الإنسان آلة لها، فهذا الموقف ما هو إلا إثبات عملي ليخرج الإنسان من أسر المادة - لمدة زمنية محدودة - ليدرب روحه أن تنتصر في معتركات الحياة الصاخبة.

الأثر التربوي:

1 - شكر المنعم:
إنّ الصوم وسيلة إلى شكر النعمة؛ إذ هو كف النفس عن الأكل والشرب والجماع، وإنها من أجلّ النعم وأعلاها، والامتناع عنها زماناً معتبرا يعرف قدرها، إذ النعم مجهولة، فإذا فقدت عرفت، فيحمله ذلك على قضاء حقها بالشكر، وشكر النعم فرض عقلا وشرعا، وإليه أشار الرب سبحانه وتعالى بقوله في آية الصيام : ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
2 - تقوية الإرادة:
الإنسان الذي يعيش دائماً إلى جوار الأطعمة والأشربة واللذائذ لا يكاد يحسّ بجوع ولا عطش، فهذا الشخص كمثل الشجرة المنزلية التي تعيش إلى جوار جدول ماء وفير، ما إن ينقطع عنها الماء يوماً حتى تشعر بذبولها واصفرارها.
وأما الأشجار التي تنبت في الصحراء أو بين الصخور، والتي تتعرض إلى مناخات مختلفة، فإنّها أشجار قوية تقاوم الحياة. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "ألا وإنّ الشجرة البرية أصلب عوداً، والرواتع الخضرة أرق جلوداً".
ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: "والصيامَ ابتلاء لإخلاص الحق".
إنّ استمرار هذا التدريب على ضبط الشهوات والسيطرة عليها مدة شهر كل عام، لا شك سيؤدي إلى تعليم الإنسان قوة الإرادة، وصلابة العزيمة، والسيطرة على الدوافع والانفعالات، لا في التحكم في شهواته والترفع على لذاته فقط، وإنما في سلوكه العام في الحياة.
وقد وضع العالم الألماني جيهاردت كتاباً في تقوية الإرادة جعل أساسه الصوم، وذهب فيه إلى أنّ الصوم هو الوسيلة الفعّالة لتحقيق سلطان الروح على الجسد، فيعيش الإنسان مالكاً زمام نفسه لا أسير ميوله المادية.
3 - تربية الضمير في النفس:
يربي في النفس الخشية من الله تعالى في السر والعلن، إذ لا رقيب على الصائم إلا ربه، فإذا شعر بالجوع أو العطش، أو شمّ رائحة الأطعمة الشهية، أو ترقرق أمام ناظريه برودة الماء وعذوبته، وأحجم عن تناول المفطر بدافع من إيمانه، وخشية ربه، حقّق معنى الخوف من الله.
وإذا أزينت الشهوات ترفّع عنها خوفاً من انتهاك حرمة الصوم فقد استحيا من الله.
وإذا استبدت الأهواء بالنفس كان سريع التذكر قريب الرجوع بالتوبة ﴿إنّ الذِينَ اتقَوا إذَا مَسهُم طَائِف مِنَ الشيطَانِ تَذَكرُوا فَإذَا هُم مُبصِرُونَ.
وفي كل ذلك أيضاً تربية لضمير الإنسان، فيصبح الإنسان ملتزماً دائماً بالسلوك الإسلامي بوازع من ضميره من غير حاجة إلى رقابة أحد عليه.
4 - تربية التنظيم النفسي:
الصوم يعوّد على تنظيم الشخصية من خلال تنظيم المعيشة مما يحقق الوفر والاقتصاد إذا التزم الصائم بآداب الصيام، يقول الإمام الصادق عليه السلام:
"ليس بدّ لابن آدم من أكلة يقيم بها صلبه، فيجعل ثلث بطنه للطعام، وثلث بطنه للشراب، وثلث بطنه للنَفَس".

الأثر الاجتماعي :

1 - إنّ ظاهرة الانسحاب ليست ظاهرة جديدة في الساحة الإسلامية، بل يحدثنا التاريخ عن حركة المتصوفة الذين اعتزلوا حركة الحياة لكي يتفرغوا إلى العبادة بمعناها الحرفي.
وقد ذمّ أهل البيت عليه السلام هذا الاتجاه الخاطئ.
وقد تُطرح انحرافاتهم تحت شعارات محببة لدى الشارع المقدس كعنوان الزهد في الدنيا، أو مجاهدة النفس ومحاسبتها، وغير ذلك مما تجعل من الشخصية المسلمة إنساناً مشلولاً في حركته الواقعية في الحياة، ولهذا يذم الله عز وجل هذا الطريق بقوله: ﴿وَرَهبَانِيةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبنَاهَا عَليهِم.
2 - التشريع الإسلامي صاغ الجانب الاجتماعي بطريقة يفهم منها أنّ علاقة الإنسان بأخيه الإنسان تعتبر في حدّ ذاتها محوراً عبادياً.
وإنّ حركة الصوم تجعل من هموم الفقراء والبؤساء تجربة حيّة يعانيها الأغنياء بأنفسهم لتتحرك المأساة في إحساسهم وضمائرهم، ولأهل البيت عليه السلام خطّان في مسألة الجوع:
أ - خط تحريك عملية المأساة:
لا شك أن الصوم يمنح هذا الأمر المهم لوناً حسياً نظراً لأهمية موقعه في الأمة، يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إنّما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك أنّ الغني لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير، لأنّ الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله تعالى أن يسوّي بين خلقه، وأن يذيق الغني مسّ الجوع والألم ليرقّ على الضعيف ويرحم الجائع".
ب - خط التضامن:
وهذا ما جسّده أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: "ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أوأبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى".
ففلسفة الإمساك لم تُحد بحدود الطعام والفرج، إذ الصوم سلاح الإيمان لقتل شيطان النفس، وتهذيب الروح، وهي عبادة تورث الوقاية، وتعمّق محاسبة الإنسان لذاته من منطلق مسؤوليتها أمام الله عز وجل.
إنّه صيام الحاكم عن الظلم والطغيان، وصيام العالم عن التحريف والتشويه، وصيام الجاهل عن الانحراف، وصيام المجاهد عن الإحباط ...

الأثر الصحي :

لم يعد هناك أي شك لدى الباحثين المنصفين من أنّ الصوم هو ضرورة من ضرورات الحياة. وقد أثبتت الحقائق التاريخية والدينية والعلمية هذه المقولة. لقد عرف الإنسان الصوم ومارسه منذ فجر البشرية. وأقدم الوثائق التاريخية ما نقش في معابد الفراعنة وما كتب في أوراق البردي من أن المصريين القدماء مارسوا الصوم وخاصة أيام الفتن حسب ما تمليه شعائرهم الدينية. وللهنود والبراهمة والبوذيين تقاليدهم الخاصة في الصوم حددتها كتبهم المقدسة.
آمن الأقدمون بفائدة الصوم للصحة. ولعل أبوقراط (القرن الخامس قبل الميلاد) أول من قام بتدوين طرق الصيام وأهميته العلاجية. وفي عهد البطالسة كان أطباء الإسكندرية ينصحون مرضاهم بالصوم تعجيلاً للشفاء. كما أنّ كافة الأديان السماوية قد فرضت الصيام على أتباعها كما يتبين لنا من النص القرآني فيقوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلكُم تَتقُونَ.
والحقيقة أنّ الإنسان لا يصوم بمفرده، فقد تبين لعلماء الطبيعة أنّ جميع المخلوقات الحية تمر بفترة صوم اختياري مهما توفر الغذاء من حولها، فالحيوانات تصوم وتحجز نفسها أياماً وربما شهوراً متوالية في جحورها تمتنع فيها عن الحركة والطعام، والطيور والأسماك والحشرات كلها تصوم.
ومن المعروف أنّ كل حشرة تمر أثناء تطورها بمرحلة الشرنقة التي تصوم فيها تماماً معتزلة ضمن شرنقتها. وقد لاحظ العلماء أنّ هذه المخلوقات تخرج من فترة صيامها هذه وهي أكثر نشاطاً وحيوية. كما أنّ معظمها يزداد نمواً وصحة بعد فترة الصوم هذه.
ويعتبر العلماء الصوم ظاهرة حيوية فطرية لا تستمر الحياة السوية والصحة الكاملة بدونها. وأنّ أي مخلوق لا بد وأن يصاب بالأمراض التي يعاف فيها الطعام إذا لم يصم من تلقاء نفسه، وهنا تتجلى المعجزة الإلهية بتشريع هذه العبادة. فالصيام يساعد العضو على التكيف مع أقل ما يمكن من الغذاء مع مزاولة حياة طبيعية، كما أنّ العلوم الطبية العصرية أثبتت أنّ الصوم وقاية وشفاء لكثير من أخطر أمراض العصر.
فمع قلة كمية الطعام الوارد إلى الأمعاء، يل ضغط البطن على الصدر، فينتظم التنفس ويعمل بصورة أكثر راحةً وانسجاماً، إذ تتمدد الرئتان دون عوائق، ويقل العبء الملقى على القلب فتقل ضرباته لعدم الحاجة إلى بذل ذلك الجهد الكبير لدفع الدم إلى الجهاز الهضمي للعمل على هضم تلك الكميات الهائلة من الطعام.
وقبل كل شيء فإنّ الجهاز الهضمي يحصل على الراحة اللازمة لتجديد أنسجته التالفة، وحيويته التامة، كما أنّ قلة نواتج التمثيل الغذائي وفضلاته تسمح بفترة راحة لجهاز الإفراغ - الكلي - تجدد بها نشاطها وتجبر ضعفها، وبذا يكون الصوم فرصة ذهبية للعضوية لاستعادة توازنها الحيوي وتجديد نفسها بنفسها. وقد أكد البروفيسور نيكولايف بيلوي من موسكو في كتابه "الجوع من أجل الصحة" أنّ على كل إنسان - وخاصة سكان المدن الكبرى أن يمارس الصوم بالامتناع عن الطعام لمدة 3 - 4 أسابيع كل سنة كي يتمتع بالصحة الكاملة طيلة حياته.
أما ماك فادون من علماء الصحة الأمريكيين فيقول: "إنّ كل إنسان يحتاج إلى الصوم وإن لم يكن مريضاً؛ لأنّ سموم الأغذية تجتمع في الجسم فتجعله كالمريض فتثقله ويقل نشاطه فإذا صام خف وزنه وتحللت هذه السموم من جسمه وتذهب عنه حتى يصفو صفاء تاماً ويستطيع أن يسترد وزنه ويجدد خلاياه في مدة لا تزيد عن 20 يوماً بعد الإفطار. لكنه يحس بنشاط وقوة لا عهد له بهما من قبل". وقد كان ماك فادون يعالج مرضاه بالصوم وخاصة المصابين بأمراض المعدة وكان يقول: "الصوم لها مثل العصا السحرية، يسارع في شفائها، وتليها أمراض الدم والعروق فالروماتيزم...".
أما الكسيس كاريل الحائز على جائزة نوبل في الطب فيقول في كتابه الإنسان ذلك المجهول: "إنّ كثرة وجبات الطعام ووفرتها تعطل وظيفة أدت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس الحيوانية وهي وظيفة التكيف على قلة الطعام، ولذلك كان الناس يصومون على مر العصور، وإنّ الأديان كافة لا تفتأ تدعو الناس إلى وجوب الصيام والحرمان من الطعام لفترات محدودة، إذ يحدث في أول الأمر شعور بالجوع ويحدث أحياناً تهيج عصبي ثم يعقب ذلك شعور بالضعف، بيد أنّه يحدث إلى جانب ذلك ظواهر خفية أهم بكثير، فإنّ سكر الكبد يتحرك ويتحرك معه أيضاً الدهن المخزون تحت الجلد. وتضحي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة من أجل الإبقاء على كمال الوسط الداخلي وسلامة القلب. وإنّ الصوم لينظف ويبدل أنسجتنا"، والصوم الذي يقول به كاريل يطابق تماماً الصوم الإسلامي من حيث الإمساك فهو يغير من نظام الوجبات الغذائية ويقلل كميتها.
وقد سئل أحد المعمرين وهو ميشيل أنجلو عن سر صحته الجيدة وتمتعه بنشاط غير عادي بعد أن تجاوز الستين من عمره فقال: إنّ السبب في احتفاظي بالصحة والقوة والنشاط إلى اليوم هو أني كنت أمارس الصوم من حين لآخر.
و يرى الدكتور محمد سعيد السيوطي أنّ الصيام الحق يمنع تراكم المواد السمّية الضارة كحمض البول والبولة وفوسفات الأمونياك والمنغنيزا في الدم وما تؤهب إليه من تراكمات مؤذية في المفاصل، الكلى - الحصى البولية - ويقي من داء الملوك - النقرس - وينقل أبحاث الغرب أنّ الصيام ليوم واحد يطهر الجسم من فضلات عشرة أيام، وهكذا فإنّ شهر الصيام يطهر الجسم من فضلات وسموم عشرة أشهر على الأقل.
ويكتب الدكتور إبراهيم الراوي عن أثر الصيام على القدرات الفكرية عند الإنسان: يؤثر الصيام في تنشيط الخلايا الدماغية التي تضاعف حيويتها لتوقف نشاط الجهاز الهضمي فيندفع الدم بغزارة إلى أنسجة المخ لتغذية تلافيفه، وتزويد الحجر الدماغية بالغذاء الأمثل لعملها.
نعم، إنّ المخ البشري يحتوي على 15 ألف مليون خلية ألهمتها القدرة الإلهية قابليات خارقة على التفكير والتعمق في المسائل المعقدة وحلها. وتزداد هذه القابليات مع زيادة ورود الدم إليها. وهكذا نرى أصحاب العقول المفكرة يصومون كل فترة لتجديد نشاط أدمغتهم.
ويتفق الباحثون على أهمية الصوم الحيوية من ناحية أنّ تخزين المواد الضرورية في البدن من فيتامينات وحوامض أمينية يجب ألا يستمر زمناً طويلاً، فهي مواد تفقد حيويتها مع طول مدة التخزين. لذا يجب إخراجها من المخزن ومن ثمَ استخدامها قبل أن تفسد. وهكذا فإنّ الجسم بحاجة من فترة لأخرى إلى فرصة لإخراج مخزونه من المواد الحيوية قبل تفككها وتلفها. وهذه الفرصة لا تتاح إلا في الصوم، وبالصوم وحده يتمكن الجسم من تحريك مخزونه الحيوي واستهلاكه قبل فوات أوانه، ومن ثم يقوم بتجديده بعد الإفطار
وقد بين ألن سوري Alain Saury قيمة الصوم في تجديد حيوية الجسم ونشاطه ولو كان في حالة المرض، وأورد حالات عدد من المسنين، تجاوزت أعمارهم السبعين، استطاعوا بفضل الصوم استرجاع نشاطهم وحيويتهم الجسمانية والنفسانية حتى أنّ عدداً منهم استطاع العودة غلى مزاولة عمله الصناعي أو الزراعي كما كان يفعل في السابق نسبياً.
لمحة غريزية عن الصيام:
الصيام هو حرمان البدن من المواد الغذائية ليوم أو أكثر. وقد دلت التجارب على أنّ حرمان الماء أشد تأثيراً من حرمان الغذاء، فالإنسان يعيش حوالي 40 يوماً إذا أعطي الماء فقط. ويحصل الجسم على الطاقة أثناء الصيام من مدخراته السكرية أولاً والتي تكون على شكل غليكوجين مدخرة في الكبد والعضلات. وهذه تصرف خلال الأولى من الصيام. وبعد ذلك يلجأ البدن إلى مدخراته الشحمية، إلا أنّه لا يستهلك الداخل منها في تركيب الخلايا الأساسية مطلقاً مهما طال أمد الصيام، ثم يعمد الجسم بعد ذلك إلى تجميع المواد الناجمة عن هذه العملية ويعيد استعمالها لاستخراج الطاقة ولصيانة الأعضاء والأنسجة الحيوية أثناء الصوم.
وفي الصيام المديد، وبعد أن يستهلك البدن مدخراته من الغليوكوجين والشحوم، عند ذلك يلجأ إلى أكسدة المواد البروتينية ويحولها إلى سكر لتأمين ما يلزمه من الطاقة، وهذا يعني تخريبه للنسج البروتينية المكونة للحم العضلات وما يلحق من جراء ذلك من أذى بيّن يلحق الأعضاء المعنية، ويدعو العلماء عملية إذابة المدخرات الدهنية ومن ثم بوتينات الجسم بعملية الانحلال الذاتي Autolyze ويستخدم فيها البدن العديد من الخمائر. وإنّ الحرمان الشديد يؤدي إلى ظهور اضطربات غذائية عصبية في الدماغ المتوسط مما يؤثر على الغدد الصم وعلى السلوك والانفعال النفسي.
ومن هنا نرى أهمية كون الصيام الإسلامي مؤقتاً من الفجر إلى الغروب دون تحريم لنوع ما من الأغذية مع طلب الاعتدال وعدم الإسراف في الطعام في فترة الإفطار. وقد سجل درينيك Dreanik ومساعدوه (عام 1964) عدداً من المضاعفات الخطيرة من جراء استمرار الصيام لأكثر من 31 - 40 يوماً.

صوموا تصحّوا :

قال النبي excaim: "صوموا تصحوا".
يقول صاحب الظلال في معرض تفسيره لآيات الصوم: "وذلك كله إلى جانب ما ينكشف على مدار الزمن من آثار نافعة للصيام في وظائف الأبدان، ومع أنني لا أميل إلى تعليق الفرائض والتوجيهات الإلهية بما يظهر للعين من فوائد حسية، إذ الحكمة الأصلية فيها هي إعداد الكائن البشري لدوره على الأرض، وتهيئته للكمال المقدر له في الحياة الآخرة... مع هذا فإنّي لا أحب أن أنفي ما تكشف عنه الملاحظة أو يكشف عنه العلم من فوائد لهذه الفرائض، وذلك ارتكازاً إلى المفهوم من مراعاة التدبير الإلهي بهذا الذي ينكشف عنه العلم البشري. فمجال هذا العلم محدود لا يرتقي إلى اتساع حكمة الله في كل ما يروض به هذا الكائن البشري...
فنحن حينما نصوم، إنّما نتعبد بهذا الصوم خالقنا العظيم جل جلاله، الذي أمرنا بالصيام، امتثالاً لأمره سبحانه وخضوعاً لإرادته. وإنّ ما يكشفه العلم لنا من فوائد صحية لهذا الصوم فما هي إلا عظات، تزيد المؤمن إيماناً بصدق مبلغ الشريعة excaim وحباً بالخالق البارئ منزل هذا التشريع.
لقد قام عدد من الباحثين الغربيين، ومنذ أواخر القرن الماضي، بدراسة آثار الصوم على البدن منهم هالبروك Holbrook الذي قال: "ليس الصوم بلعبة سحرية عابرة، بل هو اليقين والضمان الوحيد من أجل صحة جيدة".
وفي أوائل هذا القرن قام الدكتور دووي Dewey بأبحاث موضوعية عن الصوم لخصها في كتابه (الصوم الذي يشفي). كما قامت مناظرات عديدة تناقش هذا الموضوع لعل أهمها مناظرة Ecosse التي جمعت مشاهير الأطباء الريطانيين والمهتمين بتقويم الصحة وتدبير الطعام، كان على رأسهم طبيب الملك ويلكوكس Wilcoxوقد أجمع الحاضرون على أهمية تأثير الصوم الصحي على عضوية الإنسان.
والصوم الصحي أو الصوم الطبي كما يسموه والذي قامت عليه دراسات الغرب يمكن أن تعرفه بأنّه الإقلاع عن الطعام كلياً أثناء النهار ولا يسمح له إلا ببعض جرعات من الماء إذا ما أحس بعطش شديد ودعت الضرورة القصوى إليه.
وفي المساء يعطى وجبة واحدة تتألف من كوب من الحليب أو شوربة خضار و100 غرام من اللحم أو الدجاج أو السمك ثم بعض الفواكه وتكون هذه الوجبة الوحيدة خلال يوم وليلة. وكما رأينا فهو أقرب ما يكون إلى (صومنا الإسلامي) لذا رأينا أن نورد خلاصة لأهم الدراسات، منها: دراسة شلتون Shelton في كتابه عن الصوم، ودراسة لوتزنر H. Lutznerفي كتابه "العودة إلى حياة سليمة بالصوم"، ترجمة الدكتور طاهر إسماعيل. وإليكم أهم هذه الفوائد للصيام:
1- الصوم راحة للجسم يمكنه من إصلاح أعطابه ومراجعة ذاته.
2- الصوم يوقف عملية امتصاص المواد المتبقية في الأمعاء ويعمل على طرحها والتي يمكن أن يؤدي طول مكثها إلى تحولها لنفايات سامة. كما أنّه الوسيلة الوحيدة الفعالة التي يسمح بطرد السموم المتراكمة في البدن والآتية من المحيط الملوث.
3- بفضل الصوم تستعيد أجهزة الإطراح والإفراغ نشاطها وقوتها ويتحسن أداؤها الوظيفي في تنقية الجسم، مما يؤدي إلى ضبط الثوابت الحيوية في الدم وسوائل البدن. ولذا نرى الإجماع الطبي على ضرورة إجراء الفحوص الدموية على الريق، أي يكون المفحوص صائماً. فإذا حصل أن عاملاً من هذه الثوابت في غير مستواه فإنه يكون دليلاً على أن هناك خللاً ما.
4- بفضل الصوم يستطيع البدن تحليل المواد الزائدة والترسبات المختلفة داخل الأنسجة المريضة.
5- الصوم أداة يمكن أن تعيد الشباب والحيوية إلى الخلايا والأنسجة المختلفة في البدن. ولقد أكدت أبحاث مورغوليس Morgulis أنّ الصوم وحده قادر على إعادة شباب حقيقي للجسد.
6- الصوم يضمن الحفاظ على الطاقة الجسدية ويعمل على ترشيد توزيعها حسب حاجة الجسم.
7- الصوم يحسن وظيفة الهضم، ويسهل الامتصاص ويسمح بتصحيح فرط التغذية.
8- الصوم يفتح الذهن ويقوي الإدراك.
9- للصوم تأثيرات هامة على الجلد، تماماً كما يفعل مرهم التجميل، يُجَمل وينظف الجلد.
10- الصوم علاج شاف، هو الأكثر فعالية والأقل خطراً لكثير من أمراض العصر المتنامية. فهو يخفف العبء عن جهاز الدوران، وتهبط نسبة الدسم وحمض البول في الدم أثناء الصيام، فيقي البدين من الإصابة بتصلب الشرايين، وداء النقرس، وغيرها من أمراض التغذية والدوران وآفات القلب.
وهكذا وبعد أن ينظف الجسم من سمومه وتأخذ أجهزته الراحة الفيزيولوجية الكاملة بسبب الصوم، يتفرغ إلى لأم جروحه وإصلاح ما تلف من أنسجته وتنظيم الخلل الحاصل في وظائفها. إذ يسترجع الجسد أنفاسه ويستجمع قواه لمواجهة الطوارئ بفضل الراحة والاستجمام اللذان أتيحا له بفضل الصوم.
يقول الدكتور ليك Liek: يوفر الجسم بفضل الصوم الجهد، والطاقة المخصصة للهضم، ويدخرها لنشاطات أخرى، ذات أولوية وأهمية قصوى: كالتئام الجروح، ومحاربة الأمراض.
وليعلم أن الصائم قد يشعر ببعض المضايقات في أيام صومه الأولى، كالصداع والوهن والنرفزة وانقلاب المزاج، وهذه تفسر بأنّ الجسم عندما يتخلص من رواسبه المتبقية داخل الأنسجة، ينتج عن تذويبها سموم تتدفق في الدم قبل أن يلقى بها خارج الجسم، وهي إذ تمر بالدم، تمر عبر الجسد وأجهزته كلها من قلب ودماغ وأعصاب مما يؤدي إلى تخريشها أول الأمر وظهور هذه الأعراض، والتي تزول بعد أيام من بدء الصيام.
وأخيراً فإنّ للصوم آثاره الرائعة على النفس البشرية، ونظراً للعلاقة الوثيقة بين الاطمئنان النفسي وصحة الجسد عموماً، فإن الآثار والفوائد النفسية التي يجنيها الصائم لها مردودها الإيجابي في حسن سير الوظائف العضوية لكل أجهزة البدن.
ومن وصايا لقمان لابنه قوله: "يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة".
ويقول الإمام الغزالي: الصيام زكاة النفس ورياضة للجسم، فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة. في جوع الجسم صفاء القلب وإنقاذ البصيرة لأنّ الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر الشجار فيتبلّد الذهن. أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع وطهروها بالجوع تصفو وترق.
فالصيام ينمي الإخلاص للخالق سبحانه وتعالى، فهو سرٌ بين العبد وربه لا رقيب على تنفيذه إلا ضميره ورغبته الصادقة في رضا الله سبحانه، وعند الجوع يزول البطر وتنكسر حدة الشهوات. وإنّ البطر والأشر هما مبدأ الطغيان والغفلة عن الله، فلا تنكسر النفس ولا تذل كما تذل بالجوع، فعنده تسكن لربها وتخشع له.
وهذه أمور كلها تخفف من توتر الجهاز العصبي وتهدئه. والجوع يساعد الصائم على السيطرة على نفسه. ويدعم الجوع في كسر حدة الشهوات، مراقبة الصائم الله واستشعاره أنه في عبادة له، مما يصرفه عن التفكير بالمعاصي والفواحش.
والصيام يؤدي إلى صفاء الذهن وتقوية الإرادة وترويض النفس على الصبر. يقول النبي excaim: "الصوم نصف الصبر".
وأخيراً فإنّ الصوم يعمل على إيقاظ الشعور المشترك في صفوف الأمة حيث يذوق الجميع غنيهم وفقيرهم آلام الجوع ومرارة العطش.

التداوي بالصوم:

استخدم الجوع كوسيلة علاجية منذ أقدم العصور، ولجأ إليه أطباء اليونان أمثال أسكابياد وسيلوس لمعالجة كثير من الأمراض التي استعصيت على وسائل المداواة المتوفرة لديهم حينئذ. وفي القرن الخامس عشر قام لودفيفو كورنا باستعمال الصوم في معالجة مختلف الأمراض المعندة وطبق طريقته في الصوم على نفسه وعاش ما يقارب مائة سنة وهو بصحة جيدة بعد أن كان يعاني من داء عضال، وألف في أيامه الأخيرة رسائل في المعالجة بالصوم تحت شعار "من يأكل قليلاً يعمر طويلاً".
ولعل هذا نجده في ظلال الآية الكريمة: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ.
ونستشعره أبداً في توجيهات النبي الكريم excaim ومنها قوله: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه".
ومع بداية عصر النهضة نشطت الدعوة من جديد إلى المعالجة بالصوم في كل أوربا منها ما كتبه الطبيب السويسري بارسيلوس: إنّ فائدة الصوم في العلاج تفوق مرات ومرات استخدام الأدوية المختلفة.
أما فينيامين - الأستاذ في جامعة موسكو - فقد كتب يقول: لو راقبنا الإنسان عن كثب لوجدنا أنّ نفسه تعاف الطعام وترفضه في بعض الفترات، وكأنّها بذلك تفرض على نفسها الصيام المؤقت الذي يؤمن لها التوازن الداخلي ويحفظها من المؤثرات الخارجية.
ومن فرنسا عمد الدكتور هلبا Helba (1911م) إلى طريقة المعالجة بالصوم على فترات متقطعة، فكان يمنع الطعام عن مرضاه خلال بضعة أيام، يقدم لهم بعدها وجبات خفيفة.
وفي عام 1928 ألقى الدكتور دترمان في المؤتمر الثامن لاختصاصي الحمية الغذائية في أمستردام محاضرة، دعا فيها إلى استخدام الجوع على فترات متقطعة في الممارسة الطبية. وقد أقر المجتمعون فائدة الصيام لمعالجة الأمراض الناجمة عن فرط التغذية أو اضطراب الاستقلاب وفي حالات تصلب الشرايين وارتفاع الضغط الدموي وفي الاختلاجات العضلية.
وفي عام 1941 صدر كتاب بوخنجر "المعالجة بالصوم كطريقة بيولوجية"، شرح فيه المؤلف كيفية استخدام الصوم في معالجة كثير من الأمراض المستعصية، ويبين أن الجوع يغير من تركيب البنية العضوية للجسم ويؤدي إلى طرح السموم منه.

معالجة البدانة بالصيام:

حظيت البدانة وما يرافقها من اضطراب استقلاب الدسم اهتماماً كبيراً، بل وإجماعاً لدى المؤلفين حول استفادتها من العلاج بالصوم. ذلك أن السمنة المفرطة وازدياد تراكم الشحوم في البدن تشكل خطراً حقيقياً على حياة الشخص من جراء تعرضه لآفات شديدة الخطورة: كتصلب الشرايين، وارتفاع الضغط الدموي، وتشمع الكبد، والعنانة، والداء السكري، وأمراض القلب العضوية، والنزيف الدماغي، وغيرها.
وللبدانة أسباب ولكن أهمها تضخم المدخول الغذائي نسبة للمجهود العملي الذي يقوم به الشخص وهي مرتبطة بعوائد التغذية التي تعود عليها الشخص منذ صباه.
ويعتبر الصيام وسيلة غريزية مجدية في إذابة الشحوم في البدن واعتدال استقلاب الأغذية فيه. كما أن مشاركة الجوع بالعلاجات الفيزيائية كالمشي والتمارين الرياضية والتدليك والحمامات المائية تعطي أفضل النتائج، فضلاً عن أنها وسائل غير مؤذية ولا تقضي إلى النتائج الوخيمة المشاهدة عند استعمال الهرمونات والمدرات ومثبطات الشهية التي يهرع إليها البدينون بغية إنقاص وزنهم.
ويرى بلوم W. Bloomأنّه بفضل الصوم يستطيع الإنسان تحمل مسؤولياته على وعي كامل منه وحزم. وينتبه للعيب الذي أصابه جسدياً ونفسياً مما يقوي لديه العزيمة والصبر على تحمل الجوع، علماً بأن الصائم يفقد الإحساس بالجوع بعد اليوم الرابع من بدء العلاج. هذا وتوصي كتب الطب الإنسان البدين أن يصوم بضعة أيام كل أسبوع صياماً جزئياً يقتصر فيها على اللبن والفواكه والماء.
وهناك مدارس توصي بالصيام المطلق عن الطعام لمدد مختلفة على أن تكون تحت إشراف طبي ويزود المعالج بالماء والشوارد اللازمة.
ويرى فيدوتوف أن البدين يتحمل الجوع بشكل جيد ويوصي بالصوم لمدة 5 - 15 يوماً تعقبها فترات استراحة يتناول فيها المريض وجبات خفيفة. ولم يلاحظ عند المعالجين أي اضطراب في حالتهم الصحية أو بتغيرات مخبرية مرضية.
ويقول الرسول الأكرم excaim: "المعدة بيت كل داء، والحمية رأس كل دواء".

فقه الصحة في رمضان:

1- عجل بالإفطار:
فقد أوصى رسول الله excaim بالتعجيل بالإفطار فقال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
ووراء ذلك فوائد طبية وآثار صحية ونفسية هامة للصائمين. فالصائم في أمس الحاجة إلى ما يذهب شعور الظمأ والجوع. والتأخير في الإفطار يزيد انخفاض سكر الدم ويؤدي إلى الشعور بالهبوط العام، وهو تعذيب نفسي تأباه الشريعة السمحاء.
2 - الإفطار على رطبات أو بضع تمرات وماء:
يقول رسول الله excaim: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنّه بركة، فإن لم يجد تمراً فالماء، فإنّه طهور". وقد اختار رسول الله excaim هذه الأطعمة دون سواها لفوائدها الصحية الجمة، وليس فقط لتوفرها في بيئته الصحراوية.
فالصائم يكون بحاجة إلى مصدر سكري سريع الهضم، يدفع عنه الجوع، مثلما يكون في حاجة إلى الماء. وأسرع المواد الغذائية امتصاصاً المواد التي تحتوي على سكريات أحادية أو ثنائية. ولن تجد أفضل مما جاءت به السنة المطهرة، حينما يفتتح الصائم إفطاره بالرطب والماء.
3 - الإفطار على مرحلتين:
فمن سنن الرسول excaim أنّه كان يعجل فطره، ويعجل صلاة المغرب، حيث كان يقدمها على إكمال طعام فطره. وفي ذلك حكمة بالغة فدخول كمية بسيطة من الطعام للمعدة ثم تركها فترة دون إدخال طعام آخر عليها يعد منبهاً بسيطا للمعدة والأمعاء. ويزيل في الوقت نفسه الشعور بالنهم والشراهة.
4 - تجنب الإفراط في الطعام:
وكان رسول اله excaim يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلاً، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه".
وتناول كميات كبيرة من الطعام يؤدي إلى انتفاخ المعدة، وحدوث تلبك معدي ومعوي، وعسر في الهضم، يتظاهر بحس الانتفاخ والألم تحت الضلوع، وغازات في البطن، وتراخ في الحركة. هذا إضافة إلى الشعور بالخمول والكسل والنعاس، حيث يتجه قسم كبير من الدم إلى الجهاز الهضمي لإتمام عملية الهضم، على حساب كمية الدم الواردة إلى أعضاء حيوية في الجسم وأهمها المخ.
4 - تجنب النوم بعد الإفطار:
فالإفراط في الطعام كما ذكرنا يبعث على الكسل والخمول ويدفع الصائم إلى النوم بعد الإفطار، مما يحرم المريض من الصلاة والعبادة.
5 - تسحروا فإنّ في السحور بركة:
فقد أوصى رسول الله excaim بالسحور في حديثه المشهور: "تسحروا فإنّ السحور بركة".
ولا شك أنّ وجبة السحور - وإن قلّت - مفيدة في منع حدوث الصداع أو الإعياء أثناء النهار، كما تمنع الشعور بالعطش الشديد.
وحث رسول الله excaim على تأخير السحور، كما رواه علي عليه السلام: "السنّة تعجيل الفطر وتأخير السحور".
وينصح أن تحتوي وجبة السحور على أطعمة سهلة الهضم كاللبن الزبادي والخبز والعسل والفواكه وغيرها.

خطبة الرسول excaim:

روى الصدوق، عن محمد بن إبراهيم (ره)، قال: حدثنا أحمد بن محمد الهمذاني، قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه الباقر محمد بن علي، عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه سيد الشهداء الحسين بن علي، عن أبيه سيد الوصيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: إنّ رسول الله excaim خطبنا ذات يوم؛ فقال:
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ، هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ الله، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ الله، أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ.
فَاسْأَلُوا الله رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ الله فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ.
وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ، وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ، وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لا يَحِلُّ الاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ، وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ.
وَتُوبُوا إِلَى الله مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلاتِكُمْ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ؛ يَنْظُرُ الله عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ، يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَنْفُسَكُمْ مَرْهُونَةٌ بِأَعْمَالِكُمْ، فَفُكُّوهَا بِاسْتِغْفَارِكُمْ، وَظُهُورَكُمْ ثَقِيلَةٌ مِنْ أَوْزَارِكُمْ فَخَفِّفُوا عَنْهَا بِطُولِ سُجُودِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الله أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ أَنْ لا يُعَذِّبَ الْمُصَلِّينَ وَالسَّاجِدِينَ، وَأَنْ لا يُرَوِّعَهُمْ بِالنَّارِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ فَطَّرَ مِنْكُمْ صَائِماً مُؤْمِناً فِي هَذَا الشَّهْرِ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الله عِتْقُ نَسَمَةٍ وَمَغْفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ الله فَلَيْسَ كُلُّنَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ؟!!
فَقَالَ excaim: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ.
أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ، وَمَنْ خَفَّفَ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ خَفَّفَ الله عَلَيْهِ حِسَابَهُ، وَمَنْ كَفَّ فِيهِ شَرَّهُ كَفَّ الله عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً أَكْرَمَهُ الله يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ الله بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ الله عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلاةٍ كَتَبَ الله لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرْضاً كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيَّ ثَقَّلَ الله مِيزَانَهُ يَوْمَ تَخِفُّ الْمَوَازِينُ، وَمَنْ تَلا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُغَلِّقَهَا عَنْكُمْ، وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ، وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: فَقُمْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله مَا أَفْضَلُ الأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ ؟
فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ الله".


ونريد أن نأخذ بعض هذه المقاطع المهمة من الخطبة النبوية المباركة فيما يتعلق ببعض برامج رمضان المبارك :


1- حفظ اللسان من المعصية:
من بين الأمور التي ركّز عليها رسول الله excaim في خطبته التي استقبل بها شهر رمضان مسألة حفظ اللسان، حيث قال: "وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ".
وحفظ اللسان هو أن لا تستخدم لسانك آلة لمعصية الله، بل لا بد أن يكون لسانك لسان خير وطاعة وإصلاح، لأنّ هذه المسألة تتصل بحياة الإنسان في نفسه وحياته مع الناس، وحياته مع الله تعالى، فالإنسان ربما يسقط في النار نتيجة ما يحصده لسانه، وقد ورد في الحديث عن رسول الله excaim: "وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ"، وفي الحديث أنّ اللسان يشرف على الأعضاء - في كل صباح - فيسألهم: كيف أنتم؟ فيقولون: نحن بخير ما تركتنا.
ونحن نعرف أن الله تعالى حرّم على الإنسان الكثير مما يمكن أن ينطقه بلسانه، فحرّم عليه الكذب في الصغير والكبير، وفي الهزل والجدّ، وقد ورد في وصية الإمام زين العابدين عليه السلام لأبنائه: "اتقوا الله في الصغير والكبير، في هزل أو جدّ، فإن المرء إذا اجترأ على الصغير اجترأ على الكبير"، وقد ورد في الحديث: "لا يكذب الكاذب وهو مؤمن"، فإذا كان الإنسان كذاباً لم يكن مؤمناً، لأن الإيمان يربطك بالحق، والكذب يربطك بالباطل، ولا يجتمع الحق والباطل عند الإنسان المؤمن.

2- تحريم الغيبة والنميمة:
وحرّم الله تعالى علينا الغيبة، قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ، والغيبة هي أن تذكر أخاك المؤمن أو أختك المؤمنة بعيب موجود فيه أو فيها ولكنه مستور، لأن الله تعالى حفظ للمؤمن حرمة ما يخفيه عن الناس، فكل منطقة لا يريد الإنسان للناس أن يطّلعوا عليها فلا يجوز لهم أن يقتحموها، إلا إذا كانت هناك مصلحة عليا تتصل بمصلحة المجتمع. وقد ورد أنّ الغيبة "هي طعام كلاب أهل النار"، وأنّ "الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا...؛ لأَنَّ الرَّجُلَ يَزْنِي فَيَتُوبُ إِلَى اللَّهِ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ وَالْغِيبَةُ لا تُغْفَرُ حَتَّى يَغْفِرَهَا صَاحِبُهَا".
ومن الأمور التي حرّمها الله تعالى علينا النميمة، وهي الفتنة، بأن ينقل إنسان كلاماً لشخص عن شخص آخر من شأنه أن يحطّم العلاقة بينهما، وهناك نميمة أخطر، وهي النميمة التي تخلق الفتنة في المجتمع وتجعل عائلتين تتقاتلان، أو حزبين يتقاتلان، وذلك بنقل كلامْ من هذا الحزب إلى ذاك، أو من هذه العائلة إلى تلك، ما يدفعهما إلى التقاتل والتنابذ، أو أن يقوم بعمل يخلق فتنة بين طائفتين من المسلمين أو في المجتمع المختلط بين المسلمين والمسيحيين. فهذه من الأمور التي تمنع الإنسان من دخول الجنة، وقد ورد في الحديث: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ".
وعن رسول الله excaim أنّه قال: "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ لِلْبُرَآءِ الْمَعَايِبَ".

3- تحريم نشر الإشاعات:
ومن الأشياء التي حرّمها الله تعالى علينا نشر الإشاعات، ومجتمعنا مجتمع تكثر فيه الإشاعات الأمنية والسياسية والشخصية، والتي يمكن أن تدمّر أمن المجتمع وقضاياه وسمعة الناس الأبرياء، فعندما يسمع الإنسان إشاعة أو يقرأها فعليه أن لا يكون إنساناً ناقلاً لها، لأنه بذلك يساهم في الجريمة التي قام بها من صنع الإشاعة، وهذه من الأمور التي حذرنا الله تعالى منها في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ، ويقول تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً.
فمشكلة بعض الناس أنهم يدّعون بأن الكلام "لا يخضع للجمارك"، ولكن العكس هو الصحيح، حيث يسجل الكلام بشكل دقيق، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ.
وجاء في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام مَرَّ بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ بِفُضُولِ الْكَلامِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "يَا هَذَا إِنَّكَ تُمْلِي عَلَى حَافِظَيْكَ كِتَاباً إِلَى رَبِّكَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَعْنِيكَ وَدَعْ مَا لا يَعْنِيكَ".
فعلينا أن نتأمل فيما نسمع وننطق. أما الإنسان الذي يتهم مثلاً زوجته بالزنى، ففي هذه الصورة أمر الله تعالى أن يُجلد ثمانين جلدة ولا تقبل له شهادة، لأن من أصعب الأمور أن يرمي الإنسان زوجته أو امرأة أخرى بهذه الفاحشة، وإذا كان هناك شهود فلا بد أن يشهد الأربعة مجتمعين على أنهم رأوا العملية الجنسية بتفاصيلها، وإذا لم يشهد شخص منهم جُلد الثلاثة الباقون، لأنه ليس من السهولة أن نرمي فلانة بالزنى، وما أكثر ما يتهم الناس بعضهم بعضاً بما لا يملكون حجة عليه.

4- الفحّاش محروم من الجنة:
ومن الأمور التي لا بد أن نحفظ فيها ألسنتنا كلمات الفحش والبذاء، وهي الكلمات "الوسخة" التي يطلقها الكثير من الناس حتى أمام أولاده وبناته وضد زوجته، من دون خجل أو حياء، ناهيك عن الكلام البذيء في الأسواق والشوارع، وأقرأ لكم حديثاً شريفاً بهذا الخصوص يقول: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَحَّاشٍ بَذِي‏ءٍ قَلِيلِ الْحَيَاءِ لا يُبَالِي مَا قَالَ وَلا مَا قِيلَ لَهُ"، فهل نخسر الجنة نتيجة هذه الكلمات "الوسخة"؟ وقد ورد أن الله تعالى لم يستجب دعاء عابد من العبّاد، لأنه كان يدعوه بلسان بذيء.
ومن الأمور التي لا بد أن نحفظ ألسنتنا عنها مدح الظالمين والكافرين، وذمّ العابدين والصالحين. لذلك، ونحن في شهر الطهور الذي يطهّر فيه الإنسان نفسه من كل الرذائل، علينا أن نحفظ ألسنتنا من كل ما لا يرضي الله تعالى حتى نكون جديرين بجنته، لذلك علينا أن نجاهد أنفسنا في هذا الشهر المبارك لنحصل على تقوى القلب وتقوى اللسان.

اللهم "صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَأهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبينَ، وَاجْعَلْ صِيامَنا مَقْبُولاً، وَبِالْبِرِّ وَالتَّقْوى مَوْصُولاً، وَكَذلِكَ فَاجْعَلْ سَعْيَنا مَشْكُوراً وَقِيامَنا مَبْرُوراً، وَقُرْآنَنا مَرْفُوعاً، وَدُعاءَنا مَسْمُوعاً، وَاهْدِنا لِلْحُسْنى، وَجَنِّبْنَا الْعُسْرى، وَيَسِّرْنا لِلْيُسْرى، وَاَعِلْ لَنَا الدَّرَجاتِ، وَضاعِفْ لَنا الْحَسَناتِ، وَاقْبَلْ مِنَّا الصَّوْمَ وَالصَّلاةَ، واسْمَعْ مِنَّا الدَّعَواتِ، وَاغْفِرْ لَنَا الْخَطيئاتِ، وَتَجاوَزْ عَنَّا السَّيِّئاتِ، وَاجْعَلْنا مِنَ الْعامِلينَ الْفائِزينَ، وَلا تَجْعَلْنا مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالّينَ، حَتّى يَنْقَضِيَ شَهْرُ رَمَضانَ عَنّا وَقَدْ قَبِلْتَ فيهِ صِيامَنا وَقِيامَنا، وَزَكَّيْتَ فيهِ أعْمالَنا، وَغَفَرْتَ فيهِ ذُنوبَنا، وَاَجْزَلْتَ فيهِ مِنْ كُلِّ خَيْر نَصيبَنا، فَإنَّكَ الإلـهُ الُْمجيبُ، وَالرَّبُّ الْقَريبُ، وَأنْتَ بِكُلِّ شَيْء مُحيطٌ".
"اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَأَلْهِمْنا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ، وَإِجْلالَ حُرْمَتِهِ، وَالتَّحَفُّظَ مِمّا حَظَرْتَ فيهِ، وَأَعِنّا عَلى صِيامِهِ بِكَفِّ الْجَوارِحِ عَنْ مَعاصيكَ، وَاسْتِعْمالِها فيهِ بِما يُرْضيكَ، حَتّى لا نُصْغِىَ بِأَسْماعِنا إِلى لَغْو، وَلا نُسْرِعَ بِأَبْصارِنا إِلى لَهْو، وَحَتّى لانَبْسُطَ أَيْدِيَنا إِلى مَحْظُور، وَلا نَخْطُوَ بِأَقْدامِنا إِلى مَحْجُور، وَحَتّى لا تَعِيَ بُطُونُنا إِلاّ ما أَحْلَلْتَ، وَلا تَنْطِقَ أَلْسِنَتُنا إِلاّ بِما مَثَّلْتَ، وَلا نَتَكَلَّفَ إِلاّ ما يُدْني مِنْ ثَوابِكَ، وَلا نَتَعاطى إِلاّ الَّذي يَقي مِنْ عِقابِكَ، ثُمَّ خَلِّصْ ذلِكَ كُلَّهُ مِنْ رِياءِ الْمُرائينَ، وَسُمْعَةِ الْمُسْمِعينَ، لا نُشْرِكُ فيهِ أَحَداً دُونَكَ، وَلا نَبْتَغي بِهِ مُراداً سِواكَ".


[*] ملحوظة: حذفنا هوامش البحث لطولها.






Fatal error: Using $this when not in object context in /home/almustaf/public_html/application/helpers/modules_helper.php on line 522