كيف نفهم معنى المداراة ؟؟
كتبه: الشيخ حسين المصطفى
حرر في: 2011/01/29
التعليقات: 0
القراءات: 3956

أهمية المدارة لكي يتوازن المجتمع ، فالإنسان الاجتماعي لا بدّ أن تكون له ثقافة المجتمع ، لأنّ الإنسان الذي لا يفهم الناس من حوله ، بأن يفهم حساسياتهم وتعقيداتهم ، فمن الطبيعي أنه قد يُخطئ من حيث يريد أن يصيب ..

 

 

السؤال 25 : رُوي عن الإمام الحسن عليه السلام : "مداراة الناس نصف العقل". كيف نفهم معنى المداراة ؟؟ وما علينا فعله في جو يكثر فيه الانحطاط ؟؟

 

الجواب 25 :

ناقشت هذا الموضوع بشكل مسهب في كتابنا (الكلمة وأثرها في التواصل الاجتماعي) ولأهمية الموضوع أختصره للسائل الكريم ليعم فائدته بإذن الله .

رويت روايات عديدة - وبعضها صحيحة - أنّ رسول الله excaim قال : "أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض".

تصور معي : كيف هو اهتمامك الديني بإقامة الفرائض، كالصلاة، والصوم ...؟! فإنّ مداراة الناس هي في المستوى نفسه من الأهمّية .

والله تعالى كان إذا أرسل نبياً يأمره بمداراة الناس ، كما يأمره بأداء الفرائض ، حيث يقول excaim : "إنا معاشر الأنبياء أمرنا بمداراة الناس، كما أمرنا بإقامة الفرائض"وعندما يأمره بمداراة الناس ، فإنه يأمره بأن يأمر الناس بالمداراة فيما بينهم، أي في علاقاتهم مع بعضهم البعض ، تماماً كما يأمره بأن يطلب من الناس إقامة الفرائض .

فأهمية المدارة لكي يتوازن المجتمع، فالإنسان الاجتماعي لا بدّ أن تكون له ثقافة المجتمع ، لأنّ الإنسان الذي لا يفهم الناس من حوله ، بأن يفهم حساسياتهم وتعقيداتهم ، فمن الطبيعي أنه قد يُخطئ من حيث يريد أن يصيب ..

وفي حديث آخر : "أعقل الناس أشدهم مداراةً للناس"؛ باعتبار أنّ العقل يوحي إلى الإنسان أن يعيش في مجتمعه بحيث يربح صداقة المجتمع ومحبته . ومن الطبيعي أنّ الصداقة أو المحبّة لا تأتي إلا إذا راعيت مشاعر الناس وأحاسيسهم . وإذا ربح الإنسان محبّة الناس وصداقتهم  ، فإنه يحصل على الخير الكثير من ذلك، ويحصل على السلام الذي يفرضه هذا السلوك في علاقته بالآخرين .

وقد ورد في الحديث القدسي : "يا محمد دارِ خلقي"؛ فعندما تعيش مع خلقي ، فعليك بمداراتهم .

ويروى أنّ شخصاً سأل الزهري : هل لقيت علي بن الحسين ؟

قال : بلى ، لقيته وما لقيت أحداً أفضل منه ، والله ما علمت له صديقاً في السر ولا عدواً في العلانية .

فقالوا له : وكيف ذلك ؟!

قال : لأني لم أرَ أحداً وإن كان يحبه إلا وهو لشدة معرفته بفضله يحسده ، ولا رأيت أحداً وإن كان يبغضه إلا وهو لشدة مداراته يداريه .

وليس معنى مداراة الناس نفاقهم ، بل هي حسن صحبتهم واحتمال أذاهم ، وعدم مجابهتهم بما يكرهون . وحيث إنّعقول الناس مختلفة ومتفاوتة فمداراة الناس أن تتعامل معهم على قدر عقولهم أيضاً.

 

أفضل أسلوب للمخالطة :

هل تتحرك في معاشرتك للناس من موقع مزاجك على طريقة بعض الناس الذين يقولون: هذا هو طبعي فمن قَبِل بي فبها، ومن لم يقبل فله ذلك !!

إذن أنت لست مستعداً لمجاملة أحد أو مداراة أحد .

إنّ بعض الناس يحاول أن يفرض نفسه ومزاجه على المجتمع ، بحيث ينفّر المجتمع منه ، ولا أقصد بذلك أن لا يقول الإنسان الكلمة الحق ، قل الحق الذي تؤمن به ولكن قله بالطريقة التي لا تنفر الناس منك ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125]. ﴿ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: 34].

من هنا يقول أمير المؤمنين عليه السلام : "خالطوا الناس مخالطة إن متّم بكوا عليكم وإن عشتم حنّوا إليكم". فعليك أن تخطط في مخالطتك للناس بأن تربح قلوبهم ، لأنك إذا ربحتها انفتحت لك عقولهم ، وهذا ما نلاحظه في كثير من أتباع المبادئ الضالة الذين يسيطرون على الناس من خلال صداقتهم بانطلاقهم بكل بشاشة ورحابة صدر واحتضان ورعاية للآخر، يعودونه في مرضه ويساعدونه في حاجاته الاجتماعية حتى يجذبوه إليهم ، فإذا جذبوه عاطفياً، فعند ذلك تكون الطريق ممهّدة لأن يجذبوه فكرياً أو سياسياً .

البعض من الناس إذا رأى شخصاً منحرفاً لا يسلّم عليه ولا يبتسم له ، في حين أنّ مسؤوليتك إزاء المنحرف تقضي بأن لا تقاطعه دائماً، وإنّما أن تقوم بهدايته ، فالنبي excaim كان قد ابتلي بالمشركين في مكة وبالمنافقين في المدينة ، ومع ذلك كان يلقاهم بصدر رحب من أجل أن يقنعهم بالابتعاد عن الشرك وعن النفاق، فالإنسان صاحب الهدف لا يتحرك بمزاجه وإنّما بهدي رسالته، وهناك فرق بين أن تخلص لمزاجك وبين أن تكون إنساناً يخلص لرسالته، فعندما تخلص لمزاجك، فإنّ معنى ذلك أنك تريد أن تفرض نفسك على الناس وهم ليسوا مضطرين إلى أن يتحملوا ذلك منك، بل من حقهم أن يرفضوك . أما إذا كنت مخلصاً لرسالتك، فعليك أن تعرف ما هو أفضل الأساليب لإقناع هؤلاء الناس برسالتك، فقد يكون شخص منحرفاً تتلقاه بالأحضان حتى تجذبه إليك وتقنعه بالاستماع إليك ، وقد يتكلم شخص بأقذع الكلام عليك وأنت تقابله بكلام لين لتغيّر موقفه .

وأئمتنا excaim هداتنا في ذلك، حتى أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان راكباً ذات يوم على بغلته وحوله أصحابه وإخوانه وأبناؤه وأهل بيته ، ومرّ شخص شامي وسأل : من هذا ؟

فقيل له : هذا الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.

فبدأ يسبه ويشتمه ويشتم أباه بدون مناسبة ، حتى سار إليه المحيطون بالإمام عليه السلام ليقتلوه، لكن الإمام عليه السلام نهاهم قائلاً : رويداً، والتفت إلى الشامي بكل وداعة وابتسام، وقال له : "أظنك غريباً- أي أنك خاضع لغسيل دماغ ، من خلال ما سمعته من أعدائك في بلادك - فإن كنت جائعاً أطعمناك، وإن كنت عطشاناً سقيناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت فقيراً أغنيناك، يا غلمان اذهبوا به إلى المنـزل فأحسنوا مطعمه ومشربه وملبسه"فذهبوا به والرجل لا يصدّق ما يرى ويسمع ، ولكنه بعد أن دخل بيت الإمام عليه السلام وأكرموه، تطلع إلى البيت الرسالي ، فوجد الخلق العظيم وحسن الوفادة ، فخرج وهو يقول : الله أعلم حيث يجعل رسالته .

فمن أين جاء ذلك الانعطاف في الموقف ؟ إنّ الإمام عليه السلام لو قال لأصحابه أدّبوه أو اقتلوه، لكان تخلص منه بأيسر السبل، ولكن ما هي النتيجة ؟ كان الإمام عليه السلام بفعله ربما قد خسر هذا الإنسان، لكنه بأسلوبه الحكيم الطيب والطلة الرحيمة المؤنسة ربح صديقاً ..

 

المداراة ليست نفاقاً :

قد يخيّل لبعض الناس أنّ المداراة نوع من النفاق ؛ لأنّك عندما تداري الناس ، فإنك لا تواجههم بالحقيقة ، أو بالقضايا بشكل مباشر، ومعنى ذلك أنّك تضمر في نفسك شيئاً وتتحدث مع الناس بشيء آخر، وهذا من النفاق .

ولكنّنا نفهم أنّ المداراة هي أن تدرس عناصر شخصية الآخر ؛ ما هو الشيء الذي يثيره ؟ وما هو الشيء الذي يهدّئه ؟ وما هو الشيء الذي يفتح عقله على عقلك ، وقلبه على قلبك ؟ وما هو الشيء الذي يغلق عقله عن عقلك، وقلبه عن قلبك ؟ كيف تتصرف في إدارة أحاسيسه ومشاعره، حتى تستطيع أن تربح إحساسه وشعوره ؟..

 

وهنا يبرز (أسلوبان) في التعاطي معه :

الأسلوب الأول : قد تقول له : أنت مخطئ ، أو أنك لا تفهم واقع الأمور، هكذا، بشكل مباشر .

الأسلوب الثاني : قد تقول له : هناك وجهة نظر أخرى ، أو أنّ بعض الناس لا يرون ما ترى .

إنّ المعنى واحد ، فأنت تقول له -في كلا الأسلوبين -: إنّ رأيك خطأ، ولكن الأسلوب الأول يسيء إلى كرامته ، بينما الأسلوب الآخر يدفعه إلى أنْ ينفتح على وجهة النظر الأخرى، ويمكن أنْ يتبناها بعد ذلك .

 ويمكننا تطبيق هذين الأسلوبين على كثير من مواقع الحياة الفكرية والعقدية والاجتماعية ...

1 - في الجانب العقدي : وخاصة في الاختلاف المذهبي، يطفح على السطح أسلوب السبّ واللعن مع الآخرين ، بسبب ما يختزنه الإنسان من العداوة والرفض للأشخاص الذين يقدّسهم الآخرون ، فتظهر الانفعالات بطريقة السب واللعن ، أو ما إلى ذلك .

وهناك أسلوب آخر ، وهو أن تدخل معه في حديث موضوعي عاقل، لتعبّر له ، بأسلوب هادئ، عن الأسباب التي لا تدفعك إلى التفاعل معه، أو الإيمان برأيه وقضيّته .

وهذا الأسلوب نستوحيه من أمير المؤمنين عليه السلام في الجو الذي كان يعصف بالمسلمين آنذاك، وبشكل متوتر، وذلك في الحرب التي أثارها معاوية ضد أمير المؤمنين عليه السلام عندما تمرد على الشرعية الإسلامية المتمثلة بالإمام عليه السلام ، فعندما سمع الإمام عليه السلام ، وهو في طريقه إلى (صفين)، جماعة من جيش العراق يسبون أهل الشام، فوقف فيهم خطيباً، وقال لهم : "إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنّكم لو وصفتم أفعالهم، وذكرتم حالهم، لكان أصوب في القول وأبلغ في العذر"؛ فالسب هو تعبير عن الانفعال الذي يختزنه الإنسان ضد الآخر الذي يختلف معه ، ولكن عندما تستعملون أسلوب العقل ، وتقولون إن معاوية -مثلاً- تمرّد على الشرعية الإسلامية ، وإنّ أهل الشام الذين اتبعوه لم يأخذوا بأسباب الفكر والمعرفة في دراسة الأمور، وتذكرون كيف يتصرّفون ، وما هي مواقفهم وأوضاعهم، ليعرفوا أن علياً على الحق ، وأنّ معاوية على الباطل ...

ولذا يرتفع الإمام عليه السلام ليؤكد الأسلوب الإسلامي الذي لا يجعل المسلم يعيش التدمير للمسلم الآخر، أو الحقد ضد المسلم الآخر ، "وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به".

هذا الأسلوب الذي يربط الإنسان المسلم بالمسلم الآخر ، ويهيئ المناخ الذي يجمع المسلمين مع بعضهم البعض ، ويفتح عقول الناس على الهدى، حتى يرجعوا عن الضلال. وهذه هي المداراة ، من خلال أنّك تدرس طبيعة المشكلة بينك وبين الآخر، فلا تحرك العنف في مواجهة هذه المشكلة، وإنما تحرك اللين وتداري مشاعر هؤلاء وأحاسيسهم .

 2 - في الجانب الاجتماعي : كما في الحياة الزوجية ، مثلاً ؛ نحن نعرف أنّ الطريقة التي ينشأ بها الزواج، لا تنطلق -غالباً- من دراسة الرجل للمرأة التي يريد أن يتزوجها ، في علاقتها بأهلها ، وفي طبيعة مشاعرها ، وهكذا لا تعرف المرأة زوجها ، وإنّما القضية تنطلق من إعجاب أحدهما بالآخر، من ناحية الجمال ، أو من ناحية الطمع بالمال ، أو من نواحي أخرى في هذا المجال، ولذلك يدخل كل واحد منهما على الآخر كصندوق مغلق، وهنا لا بد أن يداري أحدهما الآخر، يداري مشاعره، ويداري أحاسيسه، ويداري علاقاته .

وعلى سبيل المثال ، أيضاً ، نجد أنّ بعض الناس يطلب من زوجته أن تقاطع أهلها ، وهو أمر يثقل نفس المرأة وكيانها ؛ إذ من الصعب جداً أن يقاطع الإنسان أهله ، حتى لو كان لديهم بعض السلبيّات . إنّ باستطاعة هذا الزوج أن يعالج المسألة بالطريقة التي يحفظ فيها علاقتها بأهلها، وفي الوقت نفسه، يحدّ من سلبيّات هذه العلاقة بطريقة وبأخرى .

والعكس صحيح ، فربما يسيء إليها أهله ، فتطلب منه مقاطعة أهله، فتحدث المشاكل من خلال ذلك ، أو أنّ الرجل في الحياة الزوجية يحب شيئاً ، والمرأة تكره هذا الشيء ، وقد يأتي الرجل فيفرض على الزوجة أن تحب ما يحب ، وقد ورد في الحديث : "إنّ المؤمن يأكل بشهوة أهله، والمنافق يأكل أهله بشهوته"؛ أنْ تفرض على أولادك ، أو تفرض على زوجتك الأكل الذي تحبه أنت، لأنك في مركز قوة ، وأنت الذي تأتيهم بالغذاء ، فيضطرون إلى ذلك ..

وهذا الذي حدّثنا به الله سبحانه وتعالى ، مشيراً إلى إنسانية النبي excaim في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم: 1]، فقد كان النبي يحب الطيب، وكان بعض الطيب لا ينسجم مع ما تحبه زوجاته، فيحرم نفسه منه، في هذا الموضع ، وربما تتصل القضية أيضاً بالغذاء الذي يحبه وهنّ يكرهنه ، أو بالعكس ، فقد يكون كارهاً له وهن يحببنه ، ولذلك كان يقول excaim : "خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي".

وهكذا في سائر دوائر الحياة الاجتماعية ؛ فإنَّ على الإنسان أن يفكر في إحساس الآخر، وشعوره، في ذاتياته ، وفي انتماءاته ، وفي أوضاعه العامة والخاصة ، بحيث إنك إذا أردت أن تتعامل معه ، أو تعاشره ، فإنك تمارس الأسلوب الذي لا يثقل مزاجه ، ولا يثقل إحساسه ، وهكذا في العلاقات الإنسانية ، وحتى في القضايا التي تريد فيها أنْ تؤكد حقاً، أو تدفع باطلاً، لا بد من أن تستخدم الأسلوب الذي يفتح قلب الإنسان الآخر، ويفتح عقله على ما تريد هدايته له، لا الأسلوب الذي يغلقهما عنه .

وبذلك تكون المداراة عبارة عن الطريقة التي تعمل فيها مع الإنسان الآخر ، بحيث تلاحظ مشاعره وأحاسيسه وأوضاعه، حتى لا تكسره ، وحتى لا تثيره ، وحتى لا تخلق في نفسه حالة التوتر، وهذه هي المداراة للناس الآخرين ، لأننا لا نريد أن نصطدم معهم ، بل نريد أن نجذبهم إلى ما نحن فيه ، ولذلك عليك أن لا تعتبر الآخر عدواً تريد أن تقتله، ولكن اعتبره ضالاً تريد أن تهديه، أو مريضاً تحاول أن تشفيه .

 

المداراة ليست مداهنة :

أن المُداهنة والإدْهان : المصانعة واللين ، وقيل : المداهنة إظهار خلاف ما يضمر، والإدهان الغش ، ودهن الرجل إذا نافق . [أنظر: لسان العرب].

وفي التوقيف على مهمات التعاريف : المداهنة أن ترى منكراً تقدر على دفعه فلم تدفعه ، حفظاً لجانب مرتكبه، أو لقلة مبالاة بالدين .

وأما المداراة : فهي ملاينة الناس وحسن صحبتهم، واحتمالهم لئلا ينفروا عنك .

فالأول -وهو المداهنة- تكون مع عدم طيب النفس، ويكون مع عدم المحبة .

وقد تكون المداهنة في أمر مُحرّم، بل قد يكون في الكفر، ولذا قال تعالى : ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: 9]. فتلين لهم في موقفك لتتنازل عن بعض ما تدعو إليه ، مداهنةً ومجاملةً، على حساب الدعوة ، فيلينون لك ، في إيقاف ضغوطهم عليك وفي التزامهم ظاهرياً ببعض ما أنت عليه. حتى تظهر أمام الناس في موقف الرسول الذي لا يخلص لرسالته ، بل يعمل على أن يخضع للضغوط ، ويجامل الآخرين على حساب الله .

وفي ضوء ذلك ، فإنّ المسألة تمثّل جانباً كبيراً من الخطورة ، وتدفع إلى الكثير من المشاكل الصعبة التي تنعكس على حركة الرسالة ، ما يفرض على الرسول وعلى الدعاة من بعده الحذر كل الحذر من كل العروض التي يطرحها الكافرون والمشركون عليهم ، في ما قد يوحي بالمهادنة والتسويات والمرونة العملية ، حتى لا يقعوا في المهالك التي أعدوها لهم ، على صعيد الرسالة، وعلى مستوى الواقع .

وصفات هؤلاء المداهنين هي :

1 - ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ من هؤلاء الذين يكثرون الحلف على كل شيء مما يثيرونه أمام الآخرين؛ لأنهم لا يشعرون بالثقة في أنفسهم، أو بثقة الناس بهم، ولذلك فإنهم يلجأون لتأكيد الثقة إلى أسلوب الحلف، ولو على حساب المقدّسات التي يحلفون بها ...

2 - ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ والهمز هو الطعن بالناس بإثارة الحديث حول عيوبهم بالعين والإشارة وبغيرهما بالحق والباطل ، والنميمة هي السعاية والإفساد اللذان يؤديان إلى الفتنة بين الناس وإفساد علاقاتهم ببعضهم البعض من خلال نقل الحديث الذي يسيء إلى سلامة العلاقات .

3 - ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ فلا يعمل الخير ، ولا يسمح لأحدٍ أن يقوم به ، مستخدماً كل الوسائل التي تتيح له أن يكون حاجزاً بين الناس وبينه .

4 - ﴿ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ فهو يعمل على الاعتداء على الناس في ما لا يملك حقاً فيه، كما يمتد في الإثم الذي يتمثل بالأعمال الشريرة التي يرفضها الله سبحانه.

5 - ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ والعتلُّ هو الفظ الغليظ ، وقيل : إنه الفاحش السيّئ الخلق، أو الجافي الشديد الخصومة بالباطل .  والزنيم : هو الذي لا أصل له، أو الدعيّ الملحق بقومٍ وليس منهم، والمعنيان متصادقان ، وقيل: هو المعروف باللؤم، وقيل: هو الذي له علامةٌ في الشرّ يعرف بها، وإذا ذكر الشرّ سبق هو إلى الذهن . وهما يعيشان في جوّ واحدٍ . هذه هي الصفات التي كانت تتمثل في أولئك الذين كانوا يعيشون في مجتمع الدعوة الأول ممن قد تكون لهم وجاهةٌ اجتماعيةٌ ، ومنزلةٌ اقتصاديةٌ ، تؤهلهم أن يقدّموا طروحاتهم المشبوهة للنبيّ، ليبطلوا موقعه الروحيّ الثابت على الحق بصلابةٍ .

إذن :

المحب يجامل ويُداري محبوبه ...

والمُبغِض ينافق مبغوضه !...

والكريم يجامل ويُداري ويُصانِع ...

واللئيم يُداهن وينافق !...

وقد يمرّ الشخص الواحد بموقفين متماثِلين، فيُداهن وينافق في أحدهما ، ويُداري ويجامل في الآخر. فعلى سبيل المثال : يقول لك أبوك شيئاً ، أو يقترح أمراً ، وتكون لا توافقه فيه، فتسكت مجاملة له ، ومداراة لنفسه .

ويقول لك رئيسك في العمل نفس المقترح ، أو نفس الكلام، فتوافقه مُداهنة، ورغبة أو رهبة !

وقد يطلب منك أخوك سُلفة فتعطيه مجاملة، وقد يطلبها رئيسك في العمل فتُعطيه نفاقاً !

 

أمثلة للمداراة :

1 - تكليم الناس على قدر عقولهم . فعن رسول الله excaim : "إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم .

2 - عدم تحميل الناس تكاليف وأعمالاً فوق طاقتهم .

3 - التدرج معهم في هدايتهم للحق. قال تعالى : ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طـه: 44].

4 - وأن يتحدث المكلف بكلام مفهوم من قبل الجميع بلا حاجة إلى استخدام العبارات الغامضة، والمصطلحات غير الواضحة . عن أمير المؤمنين عليه السلام : "أحسن الكلام ما زانه حُسنُ النظام، وفهمه الخاص والعام".

5 - ومن المداراة اختصار الكلام وعدم التطويل المؤدي إلى الملل، قال أمير المؤمنين عليه السلام : "الكلام كالدواء قليله ينفع وكثيره قاتل".

6 - من المداراة كشف الحقائق في حال التشكيك بشخصك، عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لمالك الأشتر : "وان ظنّت الرعية بك حيفاً،فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك ، فان تلك رياضة منك لنفسك ، ورفق منك برعيتك، واعذار تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق".

7 - عدم المجادلة إلا بالتي هي أحسن .

 

من فوائد المداراة :

أ - عن أمير المؤمنين عليه السلام : "دارِ الناس تستمتع بإخائهم،والقهم بالبشر تمت أضغانهم".

ب - عنه عليه السلام : "دار الناس تأمن غوائلهم ، وتسلم من مكائدهم".

ج - عنه عليه السلام : "سلامة الدين والدنيا في مداراة الناس".

د - عنه عليه السلام : "من دارى أضداده أمن المحارب".






Fatal error: Using $this when not in object context in /home/almustaf/public_html/application/helpers/modules_helper.php on line 522